وبعد أن وعدهم - سبحانه - بالجنة جزاءً للإيمان يمد لهم الأسباب في الدنيا رخاءً وسعة وترفاً وسعادة . ونجد من يسأل: وكيف يأكلون من فوقهم؟ ونقول: إن الأكل هو المظهر الأساسي لحياة الإنسان ؛ لأن كل حركة يصنعها الإنسان هي فرع عن وجود حياته . ووجود حياة الإنسان يتوقف على ثلاثة عناصر مهمة هي الأكل والشرب والتنفس . فإذا ما أردنا استبقاء الحياة والتناسل فلا بد من توفير لهذه المصادر الثلاثة .
إننا عندما ننظر إلى ترتيب الثلاثة في الأهمية نجد أن الإنسان قد يصبر على الطعام شهراً . وقد يصبر على الماء مدة تتراوح ما بين ثلاثة أيام وعشرة أيام ، أما التنفس فلا يطيق الإنسان ألا يجد الهواء لمدة دقائق .
ومن رأفة الحق بالخلق أن جعل الحيازة لهذه الأنواع المقومة لاستبقاء الحياة تترتب حسب أهميتها .
لذلك نرى من يملك على إنسان آخر طعامه ويتحكم فيه ، لكن الحق يجعل في جسد الإنسان ما قد يقيته شهراً . ونرى أن الحيازة في الماء أقل من الحيازة في الطعام ؛ لذلك لم يُمَلِّكْهَا الحق إلا نادراً ؛ ذلك أن الإنسان لا يطيق الصبر على العطش إلا لمدة تتراوح ما بين ثلاثة أيام وعشرة أيام . وأما الهواء فلم يجعله الحق ملكاً لأحد على الإطلاق ؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يستغني عنه إلا بمقدار الشهيق والزفير ، ولا يستطيع الإنسان أن يدخره في حجم رئتيه ؛ لذلك لم يأمن الحق أحداً من الخلق على ملكية الهواء .
وقوله الحق: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} مقصود به أن الاستقامة في تطبيق منهج الله تُخْضِعُ الأسباب الكونية لهم ، أما إذا ما تمرد الإنسان على منهج الله فقد يعطيه الله زهرة الحياة الدنيا ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر ، فالنواميس الكونية لم تنعزل عن يد الحق .