فأنت أيها الإنسان سيد الكون بإرادة الله ومقهور في كثير من الأقضية لقهرية الجبار . صحيح أن لك بعض الاختيارات في بعض الأشياء ، ولكن هناك قهريات في أمور لا دخل لك فيها ، فالمرض قد يقتل ، والحادث المفاجئ قد يقتل ، وتلك أشياء من قهريات الله التي تخرج الإنسان عن الأسباب .
إن الحق سبحانه يرينا أن بلاداً كانت دائمة المطر ثم أصابها الجفاف ، لماذا؟ لأن الناس تغتر من رتابة النعمة ، ولذلك يمسك الحق الكون بيده ، وهو سبحانه لا يسلمه لأحد أبداً . لذلك يأتي في بعض الأحاديين ويقبض أسبابه حتى لا يفتن الإنسان بالأسباب ورتابتها .
وأمثلة ذلك في حياتنا كثيرة ، نرى المزارع الذي يملك عشرات الأفدنة فتهاجمها الدودة فتأتي على الأخضر واليابس ، بينما جاره الذي لا يملك إلا قطعة يسيرة وقليلة من الأرض تطرح الخير كله لصاحبها ؛ لأنه دفع ما يسميه أهل الريف"غفرة الأرض"أي زكاتها . والدودة في هذه الحالة تكون هي من جنود الحق فتأكل المال الباطل ولا تلمس المال الحلال . {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31] .
ولذلك يقدم الحق أسبابه لمن يسعى فيها ، ويزيد للمؤمن . ويقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} والرزق - كما علمنا - قسمان: قسم مباشر وقسم يأتي بالرزق المباشر ، والرزق المباشر هو ما ننتفع به على الفور ، كطعام نأكله أو ماء نشربه ، أما الرزق الآخر فهو المال الذي قد نشتري به الرزق المباشر . وجاء سبحانه بأمور الحياة الواقعية حتى نفهم أن المنهج إنما نزل لينظم حركة الإنسان في هذه الحياة ، والآخرة هي الجزاء على حسن العمل في الدنيا .