الرجل الأول رزقه الله الاطمئنان بمنع هواجس الحدَّة من قلبه وخواطره ، أما الرجل الثاني فهو ينفق أضعاف ما أكله من سحت . إذن {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي أن هناك عطاء السلب . والعطاء الذي يحبه الإنسان هو عطاء السلب . والعطاء الذي يحبه الإنسان هو عطاء المال وهو عطاء المال وهو عطاء يذهب إلى الفانية . أما المنع فهو يمنع الإنسان من ارتكاب آثام . وبعد ذلك يأخذ الإنسان نعيمه في الآخرة . ونحن نجد كثيراً من الناس تدعو ، ولكنهم لا يعلمون أن الله قد أعطى بالمنع .
يقول الحق تبارك وتعالى: {وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً} [الإسراء: 11] .
لذلك يعطي الحق أحياناً أشياء يكون العبد قد ألح عليها ، وبعد ذلك يتبين الإنسان أنها شر ، كأن الحق ساعة منع الإنسان لفترة كان ذلك صيانة له .
{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} إذن فكله إنفاق . وسبحانه ينفق كيف يشاء ، فلا يبخل أبداً حتى وإن منع ، فالمنع في موضعه الصحيح هو عين الإنفاق ، وهكذا يكون عطاء الله عطاء النعمة ظاهرة كانت أو باطنة . فإن أردت ب"اليد"القدرة فيدا الله مبسوطتان بالثواب لقوم وبالعقاب لقوم آخرين . وهو سبحانه وتعالى يعطي لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم المناعة الإيمانية ضد كل متمرد عليه ، أو ضد كل متأبٍ ومستكبر من الكافرين أو من أهل الكتاب .
فكأنه سبحانه وتعالى يوضح: وطَّنْ نفسك يا محمد ولتوطن أمتك نفسها على أن هؤلاء الكفرة لن يكتفوا بالقدر اليسير والقليل من الكراهية لك ، بل كلما جاءت لك نعمة بزيادة الهدى من الله سيحسدونك ، وسيبغضونك ، وسيزداد تمردهم وحقدهم عليك ، فوطن نفسك على ذلك . وفي هذا ما يعطي مناعة إيمانية ، يسد كل منافذ وسوسة النفس ويجعل النفس على استعداد لاستقبال ما يحدث حتى ولو كان من المكاره .
ولنقرب هذا الأمر من الذهن .