{يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده سبحانه لما فيها من الدلالة على تعميم الأحوال المستفاد من (كيف) وفيها تنبيه على سر ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالهم ذريعة إلى الاجتراء على كلمة ملأ الفضاء قبحها، والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه بل لأن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم الدقيقة التي عليها تدور أفلاك المعاش والمعاد، وقد اقتضت الحكمة إذ كفروا بآيات الله تعالى وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يضيق عليهم، و {كَيْفَ} ظرف ليشاء والجملة في موضع نصب على الحالية من ضمير {يُنفِقُ} أي ينفق كائنا على أي حال يشاء أي على مشيئته أي مريداً، وقيل: إن جملة {يُنفِقُ} في موضع الحال من الضمير المجرور في {يَدَاهُ} واعترض بأن فيه الفصل بالخبر وبأنه مضاف إليه، والحال لا يجيء منه، وردّ بأن الفصل بين الحال وذيها ليس بممتنع كما في قوله تعالى حكاية: {هذا بَعْلِى شَيْخًا} [هود: 72] إذ قيل: إن شيخاً حال من اسم الإشارة، والعامل فيه التنبيه، وأن الممنوع مجيء الحال من المضاف إليه إذا لم يكن جزءاً أو كجزء أو عاملاً، وههنا المضاف جزء من المضاف إليه، أو كجزء فليس بممتنع، وجوّز أن تكون في موضع الحال من اليدين أو من ضميرهما، ورد بأنه لاضمير لهما فيها، وأجيب بأنه لا مانع من تقدير ضمير لهما أن ينفق بهما، ومن هنا قيل: بجواز كونها خبراً ثانياً للمبتدأ، نعم التقدير خلاف الأصل والظاهر، وهو إنما يقتضي المرجوحية لا الامتناع، وترك سبحانه ذكر ما ينفقه لقصد التعميم. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 6 صـ}