هذا شروع في بيان حكم السارق، بعد بيان حكم قاطع الطريق. وما بينهما يتصل بحكم قاطع الطريق - كما مر بيانه في الربط. كما أنه يتصل بحكم السرقة، ويعرف ذلك بأدنى تأمل.
وقد بين الله في هذه الآية: أن السارق، عقابه قطع يده؛ ذَكَرا كان أَو أنثى. نكالا من الله للسارق وغيره.
والنكال: ما نكلت به غيرك، أَي ما حذرته به.
ولا شك أن قطع يد السارق، فيه تحذير للسارق نفسه من العودة إلى السرقة، وتحذير لغيره من أن يفعل مثل ما فعل، حتى لا يجْزى مثل جزائه.
وقد شدد الله في عقوبة السرقة على هذا النحو، لما تسببه من الانزعاج والأمراض النفسية، والحرمان من أَموال رتَّب صاحبها عليها مصالحه وأَغراضه.
فإذا قُطِعت يدُ السارق، كف عن العودة إلى هذه الجريمة غالبًا، وسلِم الناس من آثارها، وارتدع بها من يفكر في السرقة، والتمس - كلاهما - سبيلا إلى الرزق الحلال.
والسارق: هو الذي يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله ولا شبهة له فيه، دون طعن بسلاح أو تهديد به، فإِن طعن بصلاح، أو هدد به - وهو ما يعرف الآن بالسطو المسلح - فحكمه حكم قاطع الطريق، الذي يسعى في الأَرض فسادا. وقد مر بيانه في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ... } .
ولا يعاقب السارق هذا العقاب، إلا إذا كان بالغًا عاقلا، غير مالك للمسروق منه، ولا ولاية له عليه .. فلا تقطع يد صبي ولا مجنون، ولا سيد أَخذ مال عبده؛ لأن العبد وماله لسيده. ولا يدُ عبد سرق مال سيده بإجماع الصحابة.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في غلام لعبد الله بن عمرو الحضرمي سرق مرآة لامرأته ثمنها ستون درهمًا:"غلامكم، سرق متاعكم"ولم تقطع يده.
ولا يقطع الوالدان بسرقة مال ولدهما لقوله صلى الله عليه وسلم:"أنتَ ومالُكَ لأبِيكَ"، ويقطع هو في سرقة مال أبويه؛ لأنه لا شبهة له فيه. كذا قيل.
والراجح: أَنه لا يقطع؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه كالعادة.
وإِذا كان العبد لا يقطع في سرقة مال سيده، فالابن أولى.