وإذا استكمل هذه الشروط، فلا تقطع يده، إلا إِذا سرق ما قيمته ربع دينار. لقوله صلى الله عليه وسلم:"تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ في رُبعْ دِينَارٍ فَصَاعِدًا".
وبهذا أَخذ عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، والشافعي، والليث وغيرهم.
ومن العلماء من قال: تقطع يده في عشرة دراهم، ومنهم من قال: في خمسة دراهم.
ومنهم من قال: تقطع في القليل والكثير.
والقول الأول: أصح؛ لاستناده إِلى الحديث الصحيح، الذي ذكرناه.
وأَما ما رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ: يَسرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ".
فإن الغرض منه: التحذير بالقليل - فضلا عن الكثير - كما جاءَ في معرض الترغيب بالقليل في بناء المساجد في قوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ بَنَى لِله مَسْجدًا وَلَوْ مثْلَ مَفْحَصِ قَطاةٍ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجنةِ".
فإِن المساجد لا تكون كمفحص القطاة، وهو المكان الذي تفرخ فيه من الأرض.
ومنهم من أوَّل هذا الحديث بأنه: إِذا سرق القليل، اجترأَ على سرقة الكثير الذي تقطع فيه اليد، وهو ربع دينار فأكثر!!
ولا يقطع إلا إذا أخذ المسروق من حرز مثله. وهو ما أُعِدَّ - عادة لحفظ أموال الناس.
وهو في كل شيءٍ بحسبه.
قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم .. وإِنما ذلك كالإجماع من أَهل العلم. أهـ.
فالبيت حرز للفراش والثياب والمتاع الذي فيه.
والقبر والمسجد حرز لما فيهما.
والخزانة في مكاتب الناس - أو الحكومة - حرز لما فيها.
وظهور الدواب حرز لما تحمل.
وأفنية الحوانيت حرز لما فيها ... وهكذا ...
وإذا اشترك جماعة في السرقة، قطعت يد كل منهم، إن بلغت حصته مما سرقوا ربع دينار.
ولا يقطع إذا سرق مال نفسه من غاصبه أو مستأجره أو نحو ذلك. كسرقته مالا يشترك فيه مع غيره، أو سرق مالًا له فيه شبهة، كسرقة من يستحق النفقة ممن يجب أن يُنفِق عليه، كالأب من ولده وبالعكس.
وفي سرقة الزوجة من زوجها ما يقابل النفقة رأْيان: