قلبي وجفني واللسان وخالقي لقد ذُكر مُتَعدّد ولكن الأحكام غير مذكورة ، هذا هو اللف ؛ فجمع المبتداءت دون أن يذكر لكل واحد منها خبره ؛ ثم جاء بالأحكام على وفق المحكوم عليه . فأكمل بيت الشعر بقوله:
راضٍ وباكٍ شاكرٌ وغفور ... ولنقرأ البيت كاملاً:
قلبي وجفني واللسان وخالقي ... راضٍ وباكٍ شاكرٌ وغفورُ
والحق يقول: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [القصص: 73]
فقوله: {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} راجع إلى الليل ، وقوله: {وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} راجع إلى النهار . وهنا جاء باللف . ثم جاء بالنشر .
والفساد - كما نعلم - له صُور متعددة ، فالفساد في الإنسان قد يعني قتله .
أو قتله وأخذ ماله . أو الاستيلاء على ماله دون قتله . أو إثارة الرعب في نفس الإنسان دون أخذ ماله أو قتله . فكأن كلمة الفساد طوي فيها ألوان الفساد ، نفس القتل ، أو نفس تقتل مع مال يُسلب ويؤخذ ، أو مال يُؤخذ دون نفس تقتل ، أو تخويف وتفزيع .
ويقول الحق: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض} ، والنفي معناه الطرد والإبعاد ، والطرد لا يتأتى إلا لثابت مُستقر ، والإبعاد لا يتأتى إلا لمُتمكن . إذن ، فقبل أن يُنفى لا بد أن يكون له ثبًوت وتمكُّن في موضع ما ، وهو ما نسميه اصطلاحاً السكن ، أو الوطن ، أو المكان الذي يقيم به الإنسان لأنه ثابت فيه . ومعنى ثابت فيه . أي له حركة في دائرته ، إلا أنه يأوي إلى مكانٍ مُستقر ثابت ، ولذلك سُمي سكناً ؛ أي يسكن فيه من بعد تحركه في مجالاته المختلفة . ومعنى النفي على هذا هو إخراجه من مسكنه ومن وطنه الذي اتخذه موطناً له وكان مجالاً للإفساد فيه . ولكن إلى أي مكان نُخرج إليه هذا الذي نحكم عليه بالنفي؟ قد يقول قائل: أنت إن أخرجته من مكان أفسد فيه وذهبت به إلى مكان آخر فقد تشيع فساده!