المسألة الخامسة: إذا تاب المحاربون بعد القدرة عليهم ، فتوبتهم حينئذ لا تغير شيئاً من إقامة الحدود المذكورة عليهم ، وأما إن جاؤوا تائبين قبل القدرة عليهم ، فليس للإمام عليهم حينئذ سبيل. لأنهم تسقط عنهم حدود الله ، وتبقى عليهم حقوق الآدميين ، فيقتص منهم في الأنفس والجراح ، ويلزمهم غرم ما أتلفوه من الأموال ، ولولي الدم حينئذ العفو إن شاء ، ولصاحب المال إسقاطه عنهم.
وهذا قول أكثر العلماء مع الإجماع على سقوط حدود الله عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم ، كما هو صريح قوله تعالى: {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] الآية ، وإنما لزم أخذ ما بأيديهم من الأموال ، وتضمينهم ما استهلكوا. لأن ذلك غصب ، فلا يجوز لهم تملكه ، وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطلب المحارب الذي جاء تائباً قبل القدرة عليه إلا بما وجد معه من المال ، وأما ما استهلكه ، فلا يطلب به ، وذكر الطبري هذا عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه.
قال القرطبي: وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، بحارثة بن بدر الغداني ، فإنه كان محارباً ، ثم تاب قبل القدرة عليه ، فكتب له سقوط الأموال والدم عنه كتاباً منشوراً ، ونحوه ذكره ابن جرير.