وقرأ الجمهور: {فَسَادٍ} بالجر عطفًا على نفس. وقرأ الحسن بالنصب على تقدير فعل محذوف يدل عليه أول الكلام، أو أحدث فسادًا في الأرض وفي هذا ضعف. ومعنى قراءة الجمهور: أن من قتل نفسًا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض. وقد تقرر أن كل حكم مشروط بتحقق أحد شيئين، فنقيضه مشروط بانتفائهما معًا، وكل حكم مشروط بتحققهما معًا فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ضرورة أن نقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه، وقد اختلف في هذا الفساد المذكور في هذه الآية ماذا هو؟ فقيل: هو الشرك، وقيل: قطع الطريق، وظاهر النظم القرآني أنَّه هو كل ما يصدق عليه أنَّه فساد في الأرض، فيشمل الشرك، وقطع الطريق، وسفك الدماء، وهتك الحرم، ونهب الأموال، والبغي على عباد الله بغير حق، وهدم البنيان، وقطع الأشجار، وتغوير الأنهار، إلى غير ذلك. {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} في تعظيم أمر القتل العمد العدوان، وكما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم مستشبع عند كل أحد .. فكذلك قتل الواحد مستفظع مستعظم، وكيف لا يكون مستعظمًا وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) } . والمعنى: يقتل بها كما لو قتلهم جميعًا، ويصلى النار كما يصلاها لو قتلهم {وَمَنْ أَحْيَاهَا} أي: ومن خلص نفسًا واحدة من المهلكات كالحرق، والغرق، والجوع المفرط، والبرد والحر المفرطين، أو تسبب في بقائها بعفو، أو منع عن قتلها {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} يعني: أن له من الثواب مثل ثواب من أحيا الناس جميعًا، وقيل: معناه من استحل قتل مسلم بغير حقه .. فكأنما استحل قتل الناس جميعًا؛ لأنَّهم لا يسلمون منه، ومن تورع عن قتل مسلم .. فكأنَّما تورع عن قتل جميع الناس فقد سلموا منه.