لأن التغريب عن الأوطان نوع من العقوبة ، كما يفعل بالزاني البكر ، وهذا أقرب الأقوال ، لظاهر الآية. لأنه من المعلوم إنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء ، فعلم أن المراد بالأرضِ أوطانهم التي تشقّ عليهم مفارقتها ، والله تعالى أعلم.
مسائل من أحكام المحاربين
المسألة الأولى: اعلم أن جمهور العلماء يثبتون حكم المحاربة في الأمصار والطرق على السواء ، لعموم قوله تعالى: {وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 33] ، وممن قال بهذا الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وهو مذهب الشافعي ، ومالك ، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه ، حتى يدخله بيتاً ، فيقتله ويأخذ ما معه ، إن هذه محاربة ، ودمه إلى السلطان ، لا إلى ولي المقتول ، فلا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل.
وقال القاضي ابن العربي المالكي: كنت أيام حكمي بين الناس ، إذا جاءني أحد بسارق ، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار ، وهو نائم ، وأصحابه يأخذون مال الرجل ، حكمت فيهم بحكم المحاربين ، وتوقف الإمام أحمد في ذلك ، وظاهر كلام الخرقي أنه لا محاربة إلا في الطرق ، فلا يكون محارباً في المضر. لأنه يلحقه الغوث.
وذهب كثير من الحنابلة إلى أنه يكون محارباً في المصر أيضاً ، لعموم الدَّليل.
وقال أبو حنيفة: وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرق ، وأما في الأمصار فلا ، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث ، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ، ويعينه ، قاله ابن كثير ولا يثبت لهم حكم المحاربة ، إلا إذا كان عندهم سلاح. ومن جملة السلاح: العصي ، والحجارة عند الأكثر. لأنها تتلف بها الأنفس والأطراف كالسلاح ، خلافاً لأبي حنيفة.