والواسطة هي محل الخلاف بين العلماء ، وهي ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا ، ولمن يبيِّن لنا في شرعنا أنه مشروع لنا ، ولا غير مشروع لنا ، وهو الذي قدمنا أن التحقيق كونه شرعاً لنا ، وهو مذهب الجمهور ، وقد رايت أدلتهم عليه ، وبه تعلم أن آية: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس} [المائدة: 45] ، الآية ، يلزمنا الأخذ بما تَضَمَّنته مِنَ الأحكام.
مع أن القرآن صرح بذلك في الجملة في قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} [البقرة: 187] ، وقوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} [الإسراء: 33] ، وفي حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم التصريح بأن ما فيها من قتل النفس بالنفس مشروع لنا ، حيث قال صلى الله عليه وسلم:"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني ، والنفس بالنفس"، الحديث.
وإلى هذا أشار البخاري في صحيحه ، حيث قال: باب قول الله تعالى: {أن النفس بالنفس} ، إلى قوله: {فأولئك هُمُ الظالمون} [المائدة: 45] ، ثم ذكر حديث ابن مسعود المتقدم ، وقال ابن حجر: والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث ، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في أهل الكتاب ، فالحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الإسلام فهو أصل في القصاص في قتل العمد ، ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم:
"كتاب الله القصاص"أخرجه الشيخان من حديث أنس ، بناء على أن المراد بكتاب الله قوله تعالى: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة: 45] في هذه الآية التي نحن بصددها ، وعلى بقية الأقوال فلا دليل في الحديث ، ولم يزل العلماء يأخذون الأحكام من قصص الأمم الماضية ، كما أوضحنا دليله.