والمعنى: أنه يحبط عمله.
17 -ومن أعمال قابيل وأخلاقه: انتهاك حرمة المسلم بعد موته، وعدم الاهتمام بمواراته وسائر ما يحتاج إليه من تجهيزه، وذلك كله من فروض الكفاية، إذا تركه كلُّ من تعين عليهم أثموا.
ومن أصرح الأدلة على ذلك: ما روى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لَوْلا أَن لا تَدَافَنُوْا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ".
ووجه الاستدلال به أن علوم القبر وأحوال البرزخ علوم شريفة، وقد حُجبت عنا فلم نشاهدها بالحس خشية أن يحملنا الاطلاع عليها
على ترك التدافن، فلولا أن يكون التدافن أمرًا واجبًا، لم يُحجب عنا هذا الفن من العلم مع شرفه خشية تركه.
18 -ومنها: إزهاق روح الحيوان بغير ذكاة شرعية إلا ما جاز قتله، وأكل الموقوذة وسائر أنواع الميتة، وكل ذلك من العظائم إلا في حالة الاضطرار.
روى الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي في"السنن"عن عبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَنْ قَتَلَ عُصْفُوْرًا بِغَيْرِ حَقِّهِ سَأَلَهُ اللهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان وصححه، وآخرون عن الشَّريد بن سويد رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"مَنْ قَتَلَ عُصْفُوْرًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْه فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ! إِنَّ فُلاناً قتلَنِيْ عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفعَةٍ".
19 -ومنها: تنفير الوحش في محل أمْنِه؛ لأن الأرض كانت أمناً للوحش، فلما فعل قابيل ما فعل فرَّت منه، واستوحشت.
وكذلك من نفَّرَ صيد مكة والمدينة المشرفتين، كان أشبه الناس بقابيل.
وفي"صحيح مسلم"عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ إِبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَرَّمَ بَيْتَ اللهِ وَأَمَّنَهُ، وَإِنَّيْ حَرَّمْتُ الْمَدِيْنَةَ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا، لا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلا يُصَادُ صَيْدُهَا".