الفائدة العاشرة: أن العقل لا يمكنه الاشتغال بشيء حالة الاستغراق فِي العلم بشيء آخر ، فإذا وجه فكره إلى شيء يبقى معزولاً عن غيره ، فكأن العبد يقول: كلما استحضرت فِي ذهني العلم بشيء فاتني فِي ذلك الوقت العلم بغيره ، فإذا كان هذا لازماً فالأولى أن أجعل قلبي وفكري مشغولاً بمعرفة أشرف المعلومات ، وأجعل لساني مشغولاً بذكر أشرف المذكورات ؛ فلهذا السبب أواظب على قوله:"يا هو".
الفائدة الحادية عشرة: أن الذكر أشرف المقامات ، قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى:"إذا ذكرني عبدي فِي نفسه ذكرته فِي نفسي ، وإذا ذكرني فِي ملأ ذكرته فِي ملأ خير من ملئه"
وإذا ثبت هذا فنقول: أفضل الأذكار ذكر الله بالثناء الخالي عن السؤال ، قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى:"من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ،"إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: العبد فقير محتاج ، والفقير المحتاج إذا نادى مخدومه بخطاب يناسب الطلب والسؤال كان ذلك محمولاً على السؤال ، فإذا قال الفقير للغني"يا كريم"كان معناه أكرم وإذا قال له:"يا نفاع"كان معناه طلب النفع ، وإذا قال:"يا رحمن"كان معناه ارحم ، فكانت هذه الأذكار جارية مجرى السؤال ، وقد بينا أن الذكر إنما يعظم شرفه إذا كان خالياً عن السؤال والطلب ، أما إذا قال:"يا هو"كان معناه خالياً عن الإشعار بالسؤال والطلب ، فوجب أن يكون قولنا:"هو"أعظم الأذكار.
ولنختم هذا الفصل بذكر شريف رأيته فِي بعض الكتب: يا هو ، يا من لا هو إلا هو ، يا من لا إله إلا هو ، يا أزل ، يا أبد ، يا دهر ، يا ديهار ، يا ديهور ، يا من هو الحي الذي لا يموت.