الفائدة الثامنة: أن الرجل إذا دخل على الملك المهيب والسلطان القاهر ووقف بعقله على كمال تلك المهابة وعلى جلال تلك السلطنة فقد يصير بحيث تستولي عليه تلك المهابة وتلك السلطنة فيصير غافلاً عن كل ما سواه ، حتى أنه ربما كان جائعاً فينسى جوعه ، وربما كان به ألم شديد فينسى ذلك الألم فِي تلك الحالة ، وربما رأى أباه أو ابنه فِي تلك الحالة ولا يعرفهما ، وكل ذلك لأن استيلاء تلك المهابة عليه أذهله عن الشعور بغيره ، فكذلك العبد إذا قال:"يا هو"وتجلى لعقله وروحه ذرة من نور جلال تلك الهوية وجب أن يستولي على قلبه الدهشة وعلى روحه الحيرة ، وعلى فكرة الغفلة ، فيصير غائباً عن كل ما سوى تلك الهوية ، معزولاً عن الإلتفات إلى شيء سواها ، وحينئذٍ لا يبقى معه فِي تلك الحالة إلا أن يقول بعقله:"هو"وبلسانه"هو"فإذا قال العبد"هو"وواظب على هذا الذكر فهذا منه تشبه بتلك الحالة على رجاء أنه ربما وصل إلى تلك الحالة ، فنسأل الله تعالى الكريم أن يسعدنا بها.
الفائدة التاسعة: من فوائد هذا الذكر العالي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من جعل همومه هماً واحداً كفاه الله هموم الدنيا والآخرة"فكأن العبد يقول: همومي فِي الدنيا والآخرة غير متناهية ، والحاجات التي هي غير متناهية لا يقدر عليها إلا الموصوف بقدرة غير متناهية ، ورحمة غير متناهية ، وحكمة غير متناهية ، فعلى هذا أنا لا أقدر على دفع حاجاتي ولا على تحصيل مهماتي ، بل ليس القادر على دفع تلك الحاجات وعلى تحصيل تلك المهمات إلا الله سبحانه وتعالى ، فأنا أجعل همي مشغولاً بذكره فقط ، ولساني مشغولاً بذكره فقط فإذا فعلت ذلك فهو برحمته يكفيني مهمات الدنيا والآخرة.