والذي كتب لهن إما أن يكون مهوراً. وإمّا أن يكون تركة ، وجاء القول الحكيم ليرفع عن المرأة عسف الولي. وجاء الأمر بهذا الأسلوب العالي الذي لا يمكن أن يقوله غير رب كريم ، ونجد مادة"رغب"تعني"أحب". فإذا ما كان الحال"أحب أن يكون"يقال:"رغب فيه"، وإذا"أحب ألاّ يكون"فيقال:"رغب عنه". ولذلك قال الحق:
{وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 130]
وما دامت"عن"جاءت كما في الآية فما بعدها هو المتروك. لكن لو كان القول"رغب في"فهو لأمر محبوب. وكلمة"ترغبون"في هذه الآية نجدها محذوفة الحرف الذي يقوم بالتعدية حباً أو كرهاً ؛ لأنها تقصد المعنيين.
فإن كانت الرغبة في المرأة.. تصير"ترغبون في"وإن كانت المرأة دميمة وزهد فيها القول يكون:"ترغبون عن"ولا يقدر أحد غير الله على أن يأتي بأسلوب يجمع بين الموقفين المتناقضين. وجاء الحق ليقنن للأمرين معاً.
ويأتي الحق من بعد ذلك بالقول: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} بجانب اليتيمات وهو الصنف المستضعف الآخر ، أي اليتيم الذي لم يبلغ مبلغ الرجال وحينما يتكلم سبحانه عن الولاية والوصاية على مثل هؤلاء فهو يتكلم بأسلوبين اثنين ، وإن لم يكن للإنسان ملكة استقبال الأسلوب البليغ فقد يقول: هذا كلام متناقض ، لكن لو تمتع الإنسان بملكة استقبال الأسلوب البليغ فقد يقول: إن عظمة هذا الأسلوب لا يمكن أن يأتي به إلا رب كريم. فالحق قال:
{وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5]
قال الله ذلك على الرغم من أن الأموال هي في الأصل ملك للسفهاء ؛ فالمال ليس ماله إلى أن يعود إليه رشده ، وقد جعل الإسلام الأخوة الإيمانية للتكاتف والتكافل ، وساعة يرى المسلمون واحداً من السفهاء فهم يحجرون على سلوكه حماية لماله من سفهه ، والمال يصان ويحفظ ومطلوب من الوصيّ والولي أن يحميه ، هذا ما قاله الحق في السفهاء.