وتوالت آيات من بعد ذلك في أمر النساء.
فقوله الحق: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} .
إنما يعلمنا أن الإنسان لا يصح أن يتعجل الاستفتاء في شيء إلا إذا استعرض قبل ذلك ما عنده من علم لعله يجد فيه الجواب الذي يغنيه عن أن يستفتي.
ومع أن الاستفتاء في أمر النساء جملة: صغيرات وكبيرات ، يتيمات وغير يتيمات فلماذا جاء الجواب في يتامى النساء ؛ لأن النساء الكبيرات لهن القدرة على أن يبحثن أمورهن ، ولسن ضعيفات ، أمّا اليتيمة فهي ضعيفة الضعيفات ، وعرفنا معنى اليتيم ، واليتيم حيث لا يبلغ الإنسان المبلغ الذي يصبح فيه مستقلاً ، فلا يقال لمن بلغ حَدَّ البلوغ سواء أكان رجلاً أم امرأة أنه يتيم ؛ لذلك جاء الجواب خاصاً بيتامى النساء ؛ لأن يتامى النساء هُنَّ دائماً تحت أولياء ، هؤلاء الأولياء الذين نسميهم في عصرنا بـ"الأوصياء"حالتان: فإن كانت البنت جميلة وذات مالٍ فالوصي يحب أن ينكحها ليستمتع بجمالها ويستولي على مالها. وإن كانت دميمة فالوصي لا يرغب في زواجها لذلك يعضلها ، أي يمنعها من أن تتزوج ؛ لأنها إن تزوجت فسيكون الزوج هو الأولى بالمال.
فاحتاجت هذه المسألة إلى تشريع واضح. وها نحن أولاء نجد سيدنا عمر - رضي الله عنه - وكانت له الفراسات التي تُسمى الفراسات الفاروقية جاءه واحد يسأله عن أمر يتيمة تحت وصايته ، فقال سيدنا عمر:
-إن كانت جميلة فدعها تأخذ خيراً منك ، وإن كانت دميمة فخذها زوجة وليكن مالها شفيعاً لدمامتها.
ويقول الحق:
{وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَآءِ الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} [النساء: 127]