أما الاستفتاء فهو عن أمر قد يوجد فيه حكم ملتبس ، ولذلك يقول الواحد في أمر ما: فلنستفت عالماً في هذا الأمر ؛ لأن معنى الاستفتاء عدم قدرة واحد من الناس أو جماعة منهم في استنباط حكم أو معرفة هذا الحكم ، ولذلك يردون هذا الأمر إلى أهله.
والحق يقول:
{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [سورة النساء: 83]
الاستفتاء - إذن - يكون لحكم موجود ، ولكن المستفتي لا يملك القدرة على استنباطه. ولذلك نجد المجتمعات الإسلامية تخصص داراً للإفتاء ؛ لأن المؤمن قد لا يعلم كل الجزئيات في الدين. وقد يعيش حياته ولا تمر به هذه الجزئيات ، مثل أبواب الوقف أو المضاربة أو الميراث ، فإن حدثت له مسألة فهو يستفتي فيها أهل الذكر. فالسؤال يكون محل العمل الرتيب ، أما الفتوى فهي أمر ليس المطلوب أن تكون المعرفة به عامة. ولذلك يتجه المستفتي إلى أهل الذكر طالباً الفتيا.
والحق يقول: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ} كأنهم قالوا للرسول: نريد حكم الله فيما يتعلق بالنساء حلاً وحرمة وتصرفاً. فكيف يكون الجواب ؟: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} ولم يؤجل الله الفتوى لاستفتائهم بل سبق أن قاله ، وعلى الرغم من ذلك فإنه - سبحانه - يفتيهم من جديد.
فلعل الحكم الذي نزل أولاً ليس على بالهم أو ليسوا على ذكر منه.
فقال الحق:
{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَآءِ} [النساء: 127]
أي أن الحق يفتيكم في أمرهن ، وسبق أن نزل في الكتاب ، آية من سورة النساء. قال الحق فيها:
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]