وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُعْطِيَهَا عِوَضًا عَلَى تَرْكِ حَقِّهَا مِنْ الْقَسْمِ أَوْ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ ، أَوْ ذَلِكَ حَقٌّ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ وَهُوَ عَقْدُ النِّكَاحِ ، وَهُوَ مِثْلُ أَنْ تُبْرِئَ الرَّجُلَ مِنْ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ الْمَهْرَ فَلَا يَصِحُّ لِوُجُودِ مَا يُوجِبُهُ وَهُوَ الْعَقْدُ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ أَجَازَ أَصْحَابُنَا أَنْ يَخْلَعَهَا عَلَى نَفَقَةِ عِدَّتِهَا فَقَدْ أَجَازُوا الْبَرَاءَةَ مِنْ نَفَقَةٍ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهَا وَهِيَ الْعِدَّةُ.
قِيلَ لَهُ: لَمْ يُجِيزُوا الْبَرَاءَةَ مِنْ النَّفَقَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُخْتَلِعَةِ وَالزَّوْجَةِ فِي امْتِنَاعِ وُقُوعِ الْبَرَاءَةِ مِنْ نَفَقَةٍ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ ؛ وَلَكِنَّهُ إذَا خَالَعَهَا عَلَى نَفَقَةِ الْعِدَّةِ فَإِنَّمَا جَعَلَ الْجُعْلَ مِقْدَارَ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ ، وَالْجُعْلُ فِي الْخُلْعِ يَجُوزُ فِيهِ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْجَهَالَةِ ، فَصَارَ ذَلِكَ فِي ضَمَانِهَا بِعَقْدِ الْخُلْعِ ، ثُمَّ مَا يَجِبُ لَهَا بَعْدُ مِنْ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَصِيرُ قِصَاصًا بِمَالِهِ عَلَيْهَا وَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ اصْطِلَاحِهِمَا مِنْ الْمَهْرِ عَلَى تَرْكِ جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَجَازَتْ الصُّلْحَ فِي سَائِرِ الْوُجُوهِ.
وقَوْله تَعَالَى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ:"يَعْنِي خَيْرٌ مِنْ الْإِعْرَاضِ وَالنُّشُوزِ"؛ وَقَالَ آخَرُونَ:"مِنْ الْفُرْقَةِ".