يرجع إليه ضرره فهو معاد له فعلا ، وإن لم يكن معاد له قصدا ، وعلى هذا
(إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)
فاتخاذ الإنسان الشيطان مولى هو على الوجه الثاني ، فإن الإنسان لا يقصد بفعله موالاة الشيطان .
فإن قيل: كيف قال: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) واتخاذ الشيطان
وليا مع الله مذموم ، كاتخاذه من دون الله ؟
قيل: لم يقصد بالآية هذا المقصد ، وإنما أريد من ترك تحري موالاة ، وفعل ما أدى به إلى موالاة الشيطان ، فخسرانه ظاهر لا يتكتم على ذي بصيرة ، وقوله: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ) تحذير ، وهذا الوعد من الشيطان تارة بالإرادات الودية ، والخواطر الفاسدة ، حسب ما ذُكر في كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة ، وتارة بلسان أولياء الشيطان ، وسبب إمكان وصول ذلك إليه كون القوة المفكرة عمياء من تدبر نور الله ، وقد تقدم الكلام في حقيقة الأمنية ، وأما سبب الحسد ، والنميمة ، والظلم ، وسائر الرذائل ، والغرور: إظهار ما تعذر ، من ظاهره فيه نفع ، وأصله: الأثر الظاهر من الشيء لشيء غره حسنه مخالفة باطنه ، ومن هذه سمى الدنيا
غرورا ، فبين أن الشيطان لا يعدهم إلا الدنيا وزخارفها ، وقد قال تعالى:
(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ)
قوله تعالى: (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا(121)
المحيص: المَعْدِلُ عَلى سبيل الهرب ، بيّن أن هؤلاء صاروا في أسر الشيطان ، وكما لم يتفكروا من مولاته في الدنيا ، لم يتفكروا من مصاحبته في مقره في
الآخرة ، كما قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) .