قال: وقد علم أن أكثر ما عبده العرب من الأصنام كانت أشياء منفعلة غير
فاعلة ، فبكتهم الله تعالى أنهم مع كونهم فاعلين من وجه يعبدون ما ليس هو إلا منفعلاً من كل وجه ، وعلى هذا نبه إبراهيم بقوله: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا(42)
وقول السلف: يقتضي الأمرين فقد اتفق: أبو مالك والسدي
وابن زيد (الإناث اللات والعزى) وقال: ابن عباس والحسن
وقتادة: هي الأموات ، وهذا القول يقتضي أنهم اعتبروا التأنيث في المعنى
وقال الضحاك: هي الملائكة لزعمهم أنها بنات الله ، وقرأ ابن عباس(إلا
أُنُثَا)أي وثناً ، وهي جمع الوثن ، والمارد ، والمريد الذي لا يعلق بشيء من
الفضائل ، و (صَرحٌ ممَرَّدٌ) . أي مملس لا يعلق به شيء لملاسته ، وشجرة مرداء اعتبارًا بتعريها عن الورق ، وغلام أمرد لتعريه عن الشعر ، تعرى
الشجر عن الورق.
إن قيل: كيف قال: - (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) ثم قال: (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) فاقتضى نفي ما أثبت ؟
قيل: ليس في ذلك نفيٌ فإن دعاء هم للأوثان دعاؤهم للشيطان ،
وكل باطل قال له تارة الشيطان ، وتارة الهوى ، وتارة الصنم ، لما كانت هذه
الأشياء متلازمة ومتشاركة في أنها تدعو إلى باطل ، ولما كان عبادة الشيطان في نفوسهم قطعية ، تبين لهم أن ما تدعونه وتزعمونه أنكم تقصدون به عبادة الله ، وتقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وتقصدون
به الشيطان ، ثم قال: (لَعَنَهُ اللَّهُ) التفاتاً ، وصرف الكلام إلى وصف
الشيطان ، وقوله: (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ) وذلك إما حكاية عما
أورده نطقاً ، أو عما أتاه فعلا ، ً فيكون نحو:
امتلأ الحوض وقال قطني
ومعنى قوله: (مَفْرُوضًا) معلوما مقسوما ، وقيل: مقطوعا