قيل: إن المشرك إنما يلزمه الاسم ما دام يلزمه الوصف ، فإذا زال
وصفه زال اسم الشرك عنه ، فإذا كان كذلك ، فالمشرك ما دام مشركا لا يغفر له ، ومن تاب زال عنه اسم الشرك ، فإذا التائب الذي يغفر له ليس هو المشرك ، بل هو المؤمن في الحقيقة ، ومن أطلق عليه اسم المشرك فعلى اعتبار الماضي ، وقوله: (أَن يُشرَكَ بِهِ) موضعه النصب ، كأنه قال: لا يغفر الشرك ، وقيل: لا يغفر من أجل أن يشرك به ، أي لا يغفر من أجل الشرك شيئا من
الذنوب تنبيهًا ، أن الذنوب قد تغتفر مع انتفاء الشرك ، كما قال: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ، وقوله: (ضَلَالًا بَعِيدًا)
فقد تقدم أن الحق والصواب والعدالة وغيرها من وجوه البر تجري مجرى
النقطة من الدائرة ومجرى المقرطس من المريء ، وأن ما عداه كله باطل
وضلالٌ ، لكن منه ما هو قريب ومنه ما هو بعيد ، كما أن العدول عن المقرطس قد يكون قريبا ، وقد يكون بعيداً ، كذلك العدول عن الحق يكون قريباً وبعيداً ، ولهذا قيل: سمى الله ذنوب الأنبياء ، وفجور الكفار حميعاًالضلال ، وإن كان بينهما بونٌ بعيدٌ ، ولما كان كذلك وكان أفظع الضلال الشرك بالله ، نبه بقوله: (ضَلَالًا بَعِيدًا) أن الشرك إذا اعتبر بسائر الضلالات ، فهو أكبرهن وأعظمهن ، فإن متحريه قد يضل عن الطريق المستقيم ضلالا يصعب رجوعه إليه ، فإن مرتكب الذنب الصغير يجري مجرى الضال عن الطريق القريب يرجى عوده إليه ، ومن قال إن هذه الآية مجمله ، فإنه يجب أن يبني على قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) وإن بناء هذه على تلك يقتضي أن
يغفر ما دونها من الصغائر ، فهذا تشبيه منه وترك للظاهر ، فإنه تعالى بيَّن أنه