ومعنى كونه"أُمَّةً": أنّه الجامع لكل خصال الخير التي لا تكاد تجتمع في فرد إلا إن وزعنا الخصال في أمة بأكملها ؛ فهذا شجاع وذلك حليم والثالث عالم والرابع قوي ، وهذه الصفات الخيِّرة كلها لا تجتمع في فرد واحد إلا إذا جمعناها من أمة. وأراد الحق سبحانه لإبراهيم عليه السلام أن يكون جامعاً لخير كثير فوصفه بقوله:
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120]
ويقول هنا عن ملة إبراهيم: {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} . والملة هي الديانة و"حنيفاً"أي"مائلا عن الباطل إلى الحق". والمعنى اللغوي لكلمة"حنيف"أنّه هو"المائل". وكان إبراهيم حنيفاً عن الباطل. ومتى تُرسل الرسل إلى الأقوام نعرف أن الرسل تأتي إذا طمّ الفساد وعمّ ، وحين تكون المجتمعات قادرة على إصلاح الفساد الذي فيها.. فالحق سبحانه يمهل الناس وينظرهم ، لكن إذا ما بلغ الفساد أَوْجَهُ ، فالحق يرسل رسولاً. وحين يأتي الرسول إلى قوم ينتشر فيهم الفساد ، فالرسول يميل عن الفساد ، بهذا يكون الميل عن الاعوجاج اعتدالا. {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} .
ويأتي الحق من بعد ذلك بالغاية الواضحة {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} فما هي حيثيات الخُلَّة ؟ لأنه يتبع أفضل دين ، ويسلم لله وجهه ، وكان محسناً ، واتبع الملة ، وكان حنيفاً ، هذه هي حيثيات الخُلَّة. وكلها كانت صفات سيدنا إبراهيم عليه السلام.
لقد حدثونا أن جبريل عليه السلام قد جاء لسيدنا إبراهيم عندما ألقاه أهله في النار ، فقال جبريل يا إبراهيمم: ألك حاجة ؟.