قال الإمام العلامة شمس الدين بن القيّم في كتابه"الجواب الكافي": الخُلَّة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجهٍ ما، وهذا المنصب خاص للخليلين صلوات الله وسلامه عليهما: إبراهيم ومحمد، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ) .
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لو كنتُ متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله ) .
وفي حديث آخر: ( إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ) .
ولما سأل إبراهيم عليه السلام الولد، فأُعْطِيه، فتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمر بذبحه، وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاءً وامتحاناً، ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه، ليخلص القلب للرب، فلما بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده، حصل المقصود، فرفع الذبح وفدي بذبح عظيم، فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأساً، بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله، كما أبقى شريعة الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين، وأبقى ثوابها، وقال: {مَا يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَيّ} [ق: 29] ، هي خمس في الفعل وخمسون في الأجر.
ثم قال ابن القيّم قدس سره: وأما ما يظنه بعض الظانين؛ أن المحبة أكمل من الخلة وأن إبراهيم خليل الله ومحمد صَلّى اللهُ عليّه وسلّم حبيب الله، فمن جهله، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، والخلة نهاية المحبة، وقد أخبر النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم.