منها أن خليل الإِنْسَاْن هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره ، والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه ، ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة ، قيل: لما أطلع الله إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل ، ودعا القومَ مرة بعد أخرى إلى توحيد الله ، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس ، ومنعهم عن عبادة الأوثان ، ثم سلّم للنيران ، وولده للقربان ، وماله للضيفان ، جعله الله إماماً للخلق ورسولاً إليهم ، وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته ، فلهذه الاختصاصات سماه خليلاً ، لأن محبة الله لعبده عبارة عن إرادته لإيصال الخيرات والمنافع إليه . انتهى .
وقوله: (لأن محبة الله لعبده إلخ منزع كلاميّ لا سلفيّ) .
ثم قال الرازيّ: وعندي وجه آخر ، وهو أن جوهر الروح ، إذا كان مضيئاً مشرقاً علوياً قليل التعلق بالذات الجسمانية والأحوال الجسدانية ، ثم انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف ، أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسماني ، أفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلهية ، صار مثل هذا الإِنسَاْن متوغلاً في عالم القدس والطهارة ، متبرئاً عن علائق الجسم والحسّ ، ثم لا يزال هذا الإِنسَاْن يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلا الله ، ولا يسمع إلا الله ، ولا يتحرك إلا بالله ، ولا يسكن إلا بالله ، ولا يمشي إلا بالله ، فكأن نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية ، وتخلل فيها وغاص في جواهرها ، وتوغل في ماهياتها ، فمثل هذا الإِنسَاْن هو الموصوف ، حقاً ، بأنه خليل ، لما أنه تخللت محبة الله في جميع قواه ، وإليه الإشارة بقول النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم ، في دعائه: ( اللَّهُمَّ ! اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً ، وَفِي سَمْعِي نُوراً ، وَفِي بَصَرِي نُوراً ، وفي عَصبي نوراً ) . انتهى .