وَلما اتَّخذهُ ربه خَلِيلًا والخلة هِيَ كَمَال الْمحبَّة وَهِي مرتبَة لَا تقبل الْمُشَاركَة والمزاحمة وَكَانَ قد سَأَلَ ربه أَن يهب لَهُ ولدا صَالحا فوهب لَهُ إِسْمَاعِيل فَأخذ هَذَا الْوَلَد شُعْبَة من قلبه فغار الْخَلِيل على قلب خَلِيله أَن يكون فِيهِ مَكَان لغيره فامتحنه بذَبْحه ليظْهر سر الْخلَّة فِي تَقْدِيمه محبَّة خَلِيله على محبَّة وَلَده فَلَمَّا استسلم لأمر ربه وعزم على فعله وَظهر سُلْطَان الْخلَّة فِي الْإِقْدَام على ذبح الْوَلَد إيثاراً لمحبة خَلِيله على محبته نسخ الله ذَلِك عَنهُ وفداه بِالذبْحِ الْعَظِيم لِأَن الْمصلحَة فِي الذّبْح كَانَت ناشئة من الْعَزْم وتوطين النَّفس على مَا أَمر بِهِ فَلَمَّا حصلت هَذِه الْمصلحَة عَاد الذّبْح مفْسدَة فنسخ فِي حَقه فَصَارَت الذَّبَائِح والقرابين من الْهَدَايَا والضحايا سنة فِي أَتْبَاعه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَهُوَ الَّذِي فتح للْأمة بَاب مناظرة الْمُشْركين وَأهل الْبَاطِل وَكسر حججهم.
وَقد ذكر الله سُبْحَانَهُ مناظراته فِي الْقُرْآن مَعَ إِمَام المعطلين ومناظرته مَعَ قومه الْمُشْركين وَكسر حجج الطَّائِفَتَيْنِ بِأَحْسَن مناظرة وأقربها إِلَى الْفَهم وَحُصُول الْعلم
قَالَ تَعَالَى {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نشَاء} [الْأَنْعَام: 83]
قَالَ زيد بن أسلم وَغَيره بِالْحجَّةِ وَالْعلم.
وَلما غلب أَعدَاء الله مَعَه بِالْحجَّةِ وَظَهَرت حجَّته عَلَيْهِم وَكسر أصنامهم فَكسر حججهم ومعبودهم هموا بعقوبته وإلقائه فِي النَّار وَهَذَا شَأْن المبطلين إِذا غلبوا وَقَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة همو بالعقوبة كَمَا قَالَ فِرْعَوْن لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَقد أَقَامَ عَلَيْهِ الْحجَّة {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشُّعَرَاء 29] فأضرموا لَهُ النَّار وألقوه فِي المنجنيق فَكَانَت تِلْكَ السفرة من أعظم سفرة سافرها وأبركها عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَا سَافر سفرة أبرك وَلَا أعظم وَلَا أرفع لشأنه وَأقر لعَينه مِنْهَا وَفِي تِلْكَ السفرة عرض لَهُ جِبْرِيل بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم أَلَك حَاجَة قَالَ أما إِلَيْك فَلَا