وأما إلقاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام في المنجنيق ورميهم به فإن في أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ما هو شبيه بذلك, وهو أنَّ البراء بن مالك - رضي الله عنه - لمَّا كانت وقعة مسيلمة وتحصَّنوا وأغلقوا باب الحصن, قال البراء لأصحابه: ضعوني على تُرسٍ واحملوني على رؤوس الرِّماح ثم ألقوني من أعلاها إلى داخل الحصن ففعلوا فوقع وقام فقاتل المشركين وقتل عشرةً أو أكثر وفتح الباب للمسلمين وكان سبب الفتح وقَتْل عدوِّ الله مسيلمة؛ ونظير ذلك ما فعَل طُلَيحة بن خويلد لما خرج في أصحابه لغزو الروم في البحر فلقيهم العدو في سفينة فقال طُلَيحة لأصحابه: اقذفوني في سفينتهم, ففعلوا فغشيهم بسيفه حتى تطايروا فرقاً منه فغرق من غرق واستسلم من استسلم فبلغ ذلك عمر - رضي الله عنه - فأعجبه وإبراهيم عليه الصلاة والسلام أُلقي في المنجنيق مُكرهاً, وهذان بذلا أنفسهما وطلبا ذلك واختاراه ففعلاه وهي فضيلة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - إذ كان في أمته مثل ذلك.
وأما كرم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإقراؤه للضيف وأنه كان يخرج المسافة يبتغي من يأكل معه حتى قيل له: أبو الضِيفان, فقد كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - من ذلك بالمنزلة التي لاتجهل فإنه كان يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة فيهب المائة من الإبل, وأعطى رجلاً غنماً بين جبلين, وما سأله أحد شيئاً فقال: لا, ولقد أتاه مرةً ضيف فأرسل إلى أزواجه واحدةً بعد واحدةٍ فيَقُلْن: والذي بعثك بالحق ماعندنا إلا ماء؛ وذلك أنه كان لا يدَّخر شيئاً حتى يجوع ويربط على بطنه الحجر, وإبراهيم عليه الصلاة والسلام كان صاحب مال وماشية يُطعِم ويُضيف من جملة ماله ولم نسمع أنه أعطى كلَّ ماعنده, ونبينا - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما يكن عندي من خير فلن ادّخره عنكم» وقال: «لو أنَّ لي مثلَ هذه العِضاهِ نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً» وجوده وكرمه من أشهر صفاته الحميدة صلوات الله عليه وسلامه.
وأما فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في صبره على ما ابتُلي به مِن ذبح ولده حتى أكرمه الله تعالى بالفِداء وهذه رُتبة عظيمة, قلنا: ليس هذا بأعظم من فضيلة نبينا - صلى الله عليه وسلم - إذ جاد بنفسه في جهاد أعداء الله تعالى فإنه صبَّر نفسه وغرَّر بها في طاعة ربه تعالى حتى إنه يوم حنين لما تولى عنه أصحابه وبقي وحده ما يألو ما صادم العدو بنفسه