فإن قيل: إبراهيم - عليه السلام - كسَّر أصنام قومه غضباً لله تعالى؟
قلنا: فمحمد - صلى الله عليه وسلم - نكَّس ثلاثمائة وستين صنماً كانت منصوبة حول الكعبة بإشارته إليها من غير أن يمسَّها بيده فتساقطت, وجعل يطعن بسية قوسٍ كانت معه في عين الصنم منها ويقول: « {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء 81] , {جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ 49] » , وأبلغ من هذا في الطرفين أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام فعل ذلك مستخفياً من قومه وأحال به على كبيرهم وإن كان ذلك إلزاماً للحجة على قومه إذا لم ينطقوا حتى عدّد ذلك من كذباته, فنبينا - صلى الله عليه وسلم - دخل هو وعلي - رضي الله عنه - الكعبة فصعد - صلى الله عليه وسلم - على منكب عليٍّ - رضي الله عنه - فلم يقدر عليٌّ على حمله, فأصعد عليّاً على منكبه فقلع الصنم الذي كان من صُفرٍ على الكعبة فقذفه فوقع فتكسر كما تتكسَّر القوارير ولا ريب أنَّ هذا كان سراً من قريش والأول جهراً يوم فتح مكة.
فإن قيل: إبراهيم - عليه السلام - لمَّا أُلقي في نار نمرود خمدت وطفئت, قلنا: أبلغ من ذلك نار جهنم إذا مرَّ عليها المؤمن من أمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - قالت: جُزْ يامؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
وليلة مولد نبينا - صلى الله عليه وسلم - خمدت نيران فارس التي كانت تُعبَد ولم تخمد قبل ذلك بألف عام فإبراهيم - عليه السلام - طفئت عنه نار نمروذ بقول الله تعالى لها: { ... كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء 69] وقرب إبراهيم منها, ونيران فارس خمدت على مسافة أشهر من محمد - صلى الله عليه وسلم - حين ولد, وفي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - مَن أُلقي في النَّار فلم توثِّر فيه ببركته: منهم أبو مسلم الخَولاني لمَّا دعاه الأسود العَنْسي المتنبِّئ إلى تصديقه فقال: ما أسمع - مراراً - , فأجَّج له ناراً وطرح فيها أبا مسلم, فلم تضرُّه, فلمَّا قدم المدينة رآه عمر - رضي الله عنه - فقبَّل بين عينيه, ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - , وقال: الحمد لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من فُعل به كما فُعل بإبراهيم خليل الرحمن - عليه السلام -.