ولذلك قال ابن عباس أولي الضرر: هم أهل العذر ، فعمَّم.
وقد ذكر عامة ما أجمله هاهنا في قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) الآية.
إن قيل: لم كرر الفضل وأوجب في الأول درجة ، وفي الثاني درجات.
وقيدها بقوله: (منهُ) ، وجعل معها المغفرة والرحمة ؟
قيل: في ذلك أجوبة: الأول:
أنه عنى بالدرجة ما يؤتيه في الدنيا من الغنيمة ، ومن السرور بالظفر وجميل الذكر ، وبالثاني ما يخولهم في الآخرة ، ونبه بإفراد الأول ، وجمع الثاتي أن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير.
والثاني: أن المجاهدين في ثواب الدنيا يتساوون فيما يتناولونه ، كمن يأخذ سلب مقتوله ، وكتساوي نصيب كل واحد من الفرسان ، ونصيب كل واحد من الرجالة ، وهم في الآخرة يتفاوتون بحسب إيمانهم ، فلهم درجات
حسب استحقاقه ، ومنهم من يكون له الغفران ، ومنهم من تكون له
الرحمة فقط ، وكأن الرحمة أدنى المنازل ، والمغفرة فوق الرحمة ، ثم بعده
الدرجات على الطبقات ، وعلى هذا نبه بقو له: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) .
ومنازل الآخرة تتفاوت ، وقد نبّه على ذلك بنحو قوله:
(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) إلى قوله: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) . والثالث: أن الجهاد جهادان: صغير وكبير.
فالصغير مجاهدة الكفار ، والكبير مجاهدة النفس ، وعلى ذلك دلّ
قوله عليه الصلاة والسلام:"رجعنا من جهاد الأصغر إلى جهاد"
الأكبر"."
وبقوله:"جهادك هواك".
وإنما كان مجاهدة النفس أعظم ، لأن من جاهد
نفسه فقد جاهد الدنيا ، ومن غلب الدنيا هان عليه مجاهدة العدى.
فخص بمجاهدة النفس بالدرجات تعظيمًا لها.
والرابع: أن الأول عنى به الجهاد بالمال ، والثاني الجهاد بالنفس.
إن قيل: لِمَ ذكر مع الدرجات المغفرة والرحمة معًا ؟ وما الفرق بينهما ؟