يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ: إِنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَنْعَمُ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ , مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذُكُورِكُمْ وَإِنَاثِكُمْ , وَذُكُورِ عِبَادِي وَإِنَاثِهِمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي وَبِرَسُولِي مُحَمَّدٍ , مُصَدِّقٌ بِوَحْدَانِيَّتِي , وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِي , لَا أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِي الْمُكَذِّبُونَ رَسُولِي , فَلَا تَطْمَعُوا أَنْ تَحِلُّوا وَأَنْتُمْ كُفَّارٌ مَحِلَّ الْمُؤْمِنِينَ بِي وَتَدْخُلُوا مَدَاخِلَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ وَأَنْتُمْ مُكَذِّبُونَ بِرَسُولِي.
عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: «أَبَى أَنْ يَقْبَلَ الْإِيمَانَ إِلَّا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ , وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ الْإِسْلَامَ إِلَّا بِالْإِحْسَانِ» .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِمْ مِقْدَارَ النُّقْرَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ فِي الْقِلَّةِ , فَيَكُفَّ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ.
وَإِنَّمَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا يَبْخَسُهُمْ مِنْ جَزَاءِ أَعْمَالِهِمْ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا , وَلَكِنْ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ كَمَا وَعَدَهُمْ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ دُخُولِ «مِنْ» فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} وَلَمْ يَقُلْ: وَمَنْ يَعْمَلِ الصَّالِحَاتِ؟
قِيلَ: لِدُخُولِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لَنْ يُطِيقُوا أَنْ يَعْمَلُوا جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ , فَأَوْجَبَ وَعْدَهُ لِمَنْ عَمِلَ مَا أَطَاقَ مِنْهَا وَلَمْ يَحْرِمْهُ مِنْ فَضْلِهِ بِسَبَبِ مَا عَجَزَتْ عَنْ عَمَلِهِ مِنْهَا قُوَاهُ. وَالْآخَرُ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَوْجَبَ وَعْدَهُ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَأَدَّى الْفَرَائِضَ , وَإِنْ قَصَّرَ فِي بَعْضِ الْوَاجِبِ لَهُ عَلَيْهِ , تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ , إِذْ كَانَ الْفَضْلُ بِهِ أَوْلَى , وَالصَّفْحُ عَنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ أَحْرَى.