طُوبَى لِمَنْ يَغْتَنِمُ الوَقْتَ إِذا ... نالَ شَباباً وَفَراغاً وَسَعَةْ
* تَنْبِيهٌ:
من تأمل في نَشْءِ هذا الزمان يرى لهم من العقول والأفكار ما لم يكن يراه لمن قبلهم، فتراهم يتأنقون في مآكلهم ومشاربهم، وملابسهم، وسائر أحوالهم بحيث تراهم أقوى إبداعاً، وأبلغ اختراعاً، وأتم وضعاً، وأليق زياً، غير أن عقولهم مصروفة إلى أحكام دنياهم، وفي أمور عاجلتهم، وهم عن الآخرة غافلون، وعما ينفعهم أو يضرهم ثَمَّ معرضون.
وعلى ذلك يحمل ما ورد من نقص الأحلام والعقول عند قيام الساعة، فعقول أكثر الناس أو كلِّهم إلا الشاذ النادر بالنسبة إلى أمور الآخرة عارية ذاهبة، وبالنسبة إلى أمور الدنيا حاضرة باهرة، بل ترى الأطفال يبدو فيهم من بواده الإدراك والتمييز ما يحير العقول، ويبهر الأبصار.
وقد روى أبو نعيم عن الشعبي رحمه الله تعالى قال: رُزِق صبيان هذا الزمان من العقل ما نقص من أعمارهم.
ومعناه أن الزمان كما تأخر نقصت أعمار أهليه، لكن الله تعالى عوضهم عما نقص من أعمارهم ما تراه يزيد في عقولهم حتى ترى الأطفال الصغار ينجم فيهم التمييز والإدراك قبل إِبَّانه من أسلافهم، ثم كما شبوا كانت الفطنة والذكاء أتم فيهم من ذوي أسنانهم من السلف، لكن ترى أكثر ذكاء الشبان في هذه الأزمان مصروفة إلى اللهو واللعب، وسائر أمور الدنيا، وما لا يجدي منها إلا من شذ منهم ممن وفقه الله تعالى، والموفق في هذه الأزمنة وإن كان عزيزاً قليلاً فإن ثوابه كثير جليل؛ إذ صح الحديث بأن للعامل في زمان الصبر أجر خمسين من السلف، وهذا الزمان هو زمان الصبر والقبض على الجمر، صبيهم عارم، وشابهم ظالم صارم، وشيخهم جهول، لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، بل الآباء والأولياء يرضون ممن في حجرهم وولايتهم بما هم فيه، لا يرشدونهم إلى صرف عقولهم فيما ينفعهم في آخرتهم.
وهنا انتهى ما تيسر لنا من بيان ما يحسن من الشاب أن يتشبه فيه بالكهول والشيوخ.
فَصْلٌ