الآية ، وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) ، اختلف في قوله: (إِلَّا قَلِيلًا) عمّا استثنى ، وذلك لاختلاف تصوُّرهم لمعنى الفضل ، فالأول عن الحسن
وقتادة تقديره: ، يستنبطونه منهم إلا قليلًا.
الرابع: لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا منكم.
الخامس: لاتبعتم الشيطان إلا اتباعًا قليلًا.
إن قيل: كيف القول الرابع والخامس ، وقد علمنا أنه لولا
فضله لاتبع الشيطان ، بل ما كانوا يوحدّون ، فضلًا عن
أن يضلوا ، فإنا لو تصوَّرنا فضله مرتفعًا لارتفع وجود الناس.
بل وجود العالم ؟
قيل: إذا جرى الفضل على العموم فهو كما يقول ، ومنِ أجله تحاشى من امتنع من أن يكون ذلك استثناء من قوله (لَاتَّبَعْتُمُ) فأما إذا جعلت فضله خاصا في هذا الموضع
فمعناه صحيح ، وبيان ذلك أن فضل الله وإن كان لا تُحصى
تفصيلاته ، فالذي به هدانا إلى البلوغ إلى ثوابه فضلان: فضل
العقل وفضل الشرع ، وعنى هاهنا بالفضل الشرع دون العقل.
وبيّن أنه لولا ما أنعم به على الناس من رسوله وكتابه لما اهتدى
من خلائقه بالعقل المجرد إلا قليلٌ من الناس ، والقليل الذين لم
يكونوا يتّبعون الشيطان لولا فضل الله ، هم الحكماء
والأولياء ، الذين تتلو منزلتهم منزلة الأنبياء عليهم السلام.
وهذا ظاهر.
قوله عز وجل: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا(84)
التنكيل: مصدر نكلت به ، والنكال العقوبة التي تنكل المعاقب
وغير المعاقب عن إتيان مثله ، وأصله من النكل ، وهو ضرب من
القيد ، ومنه نكل عن الشيء .
إن قيل: كيف قال: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ليكلّف الناس ؟