صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة، ولا يجد حلاوتها، مع ما يجد من حب الدنيا، إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعبت وتغير خلقها، كذلك القلوب، إذا لم ترق بذكر الموت، ودأب العبادة، تقسو وتغلظ.
(فصل: في أن الدنيا دار ممر)
حضر بعض الرؤساء صلاة الجمعة، وبه مرض لا يحتمل معه تطويل الخطبة، فصعد الخطيب المنبر، فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلواته على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد: فإن الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر، فخذوا لمقركم من ممركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا الدنيا من قلوبكم، قبل أن تخرج منها أبدانكم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
فما أبلغ هذه الخطبة وأفصحها، وأوجزها! فعمر الدنيا والله قصير، وأغنى غني فيها فقير، وكأني بك في عرصة الموت وقد استنشقت ريح الغربة قبل الرحيل، ورأيت أثر اليتم في الولد قبل الفراق، فتيقظ إذن من رقدة الغفلة، وانتبه من السكرة، واقلع حب الدنيا من قلبك، فإن العبد إذا أغمض عينه وتولى، تمنى الإقالة فقيل كلا.
قال أبو عمران الجوني: مر سليمان بن داود عليهما السلام في موكبه، والطير تظله، والجن والإنس عن يمينه وشماله، قال: فمر عابد من عباد بني إسرائيل، فقال: والله يا ابن داود لقد آتاك الله ملكاً عظيماً!! قال: فسمع سليمان كلمته فقال: تسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي ابن داود، وما أعطي ابن داود يذهب، والتسبيحة تبقى.
(فصل: في أن هذه الدار رحلة)
من بذل وسعه في التفكير التام، علم أن هذه الدار رحلة، فجمع للسفر رحلة ويعلم أن مبدأ السفر من ظهور الآباء إلى بطن الأمهات، ثم إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى الحشر، ثم إلى دار الإقامة الأبدية، فدار الإقامة هي دار السلام من جميع الآفات، وهي دار الخلود، والعدو سبانا إلى دار الدنيا، فنجتهد في فكاك أسرنا، ثم في حث السير إلى الوصول إلى دارنا الأولى، وفي مثل هذا قيل:
فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم
وليعلم أن مقدار السير في الدنيا يسير ويقطع بالأنفاس، ويسير بالإنسان سير السفينة لا يحس بسيرها وهو جالس فيها، كما قيل:
إنما هذه الحياة متاع ... فالغوي الشقي من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها