إذن فعندما تصل المسألة إلى الأمر التطبيقي ، قد يدب في نفوسهم الخَوَر والخوف ، والحق سبحانه لم يمنع الأغيار أن تأتي على المؤمن ، فما دام الإنسان ليس رسولا ولا معصوما فلا تقل: فلان عمل كذا أو فلان عمل كذا ؛ لأن فلانا هذا لم يدع أنه معصوم ، ولذلك يصح أن تأتي منه الأخطاء ، وتأتيه خواطر نفسه ، وتأتيه هواجس في رأسه ، ويقف أحياناً موقف الضعف ، ولذلك عندما يقول لك واحد: فلانة عملت كذا وفلان عمل كذا ، قل له: وهل قال أحد إن هؤلاء معصومون ؟ وما داموا غير معصومين فقد يتأتى منهم هذا.
والله يقول: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} وهذا يعني أنهم ليسوا سواء ، ففريق منهم أصابه الضعف ، وفريق آخر بقي على شدته وصلابته في إيمانه لم تلن له قناة ولم ينله وهن ولا ضعف ، ثم انظر أدب الأداء. لم يقل: فلان أو فلان. بل قال: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} وهذا يستدعي أن يبحث كل إنسان في نفسه ، وهذه عملية أراد بها الحق الستر للعبد ، وما دام الستر قد جاء من الرب ، فلنعلم أن ربنا أغير على عبده من نفسه ، ولذلك نقول دائما: ساعة يستر ربنا غيب الناس على الناس فهذا معناه: تكريم للناس جميعا.
وهب أن الله أطلعك على غيب الناس أتحب أن يطَّلع الناس على غيبك ؟! لا ، إذن فأنت عندما ترى أن ربنا قد ستر غيبك عن الناس وستر غيب الناس عنك فاعرف أن هذه نعمة ورحمة ؛ لأن الإنسان ابن أغيار ، فيصح أن واحداً أساء إليك في نفسه ولم يرغب أن تعرف ذلك ، وأنت أيضاً تريد أن تتخلص منه وتكرهه ، فلو أطلعه الله على ما في قلبك ، أو أطلعك على ما في قلبه لكانت معركة يجرح فيه كل منكما كرامة الآخر ، لكن ربنا ستر غيب خلقه عن خلقه رحمة بخلقه.