وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام تعد قلائل
وقال عبد الله بن المعلم: خرجنا من المدينة حجاجاً فإذا أنا برجل من بني هاشم من بني العباس بن عبد المطلب قد رفض الدنيا ، وأقبل على الآخرة ، فجمعتني وإياه الطريق ، فأنست به وقلت له: هل لك أن تعادلني ، فإن معي فضلا من راحلتي ، فجزاني خيراً وقال: لو أردت هذا لكان سهلا ، ثم أنس إلي فجعل يحدثني فقال: أنا رجل من ولد العباس كنت أسكن البصرة وكنت ذا كبر شديد ونعمة طائلة ومال كثير وبذخ زائد ، فأمرت يوماً خادماً لي أن يحشو لي فراشاً من حرير ومخدة بورد نثير ففعل ، فأتى لنائم إذا بقمع وردة قد نسيه الخادم ، فقمت إليه فأوجعته ضرباً ، ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدة ، فأتاني آت في منامي في صورة فظيعة فهزني وقال: أفق من غشيتك وانتبه من رقدتك ، ثم أنشأ يقول:
يا خل إنك إن توسد ليناً ... وسدت بعد اليوم صم الجندل
فامهد لنفسك صالحاً تسعد به ... فلتندمن غداً إذا لم تفعل
فانتبهت مرعوباً وخرجت من ساعتي هارباً إلى ربي كما تراني ثم أنشأ يقول:
من كان يعلم أن الموت يدركه ... والقبر مسكنه والبعث يخرجه
وأنه بين جنات مزخرفة ... يوم القيامة أو نار ستنضجه
فكل شيء سوى التقوى به سمج ... ومن أقام عليه منه أسمجه
ترى الذي اتخذ الدنيا له وطناً ... لم يدر أن المنايا سوف تزعجه
قال وهب بن منبه: أصبت على قصر غمدان وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن وكان من الملوك الأجلة مكتوباً بالقلم المسندي فترجم بالعربي فإذا هي أبيات جليلة وموعظة عظيمة وجليلة وهي هذه الأبيات:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا من أعالي عز معقلهم ... فأسكنوا حفرة يا بئس ما نزلوا