والإنسان منا يظل يُربَّى إلى أن يبلغ الحُلُم. فإذا ما بلغ الحُلُم وأصبحت له حياة ذاتية ، أي أن إرادته لم تعد تابعة للأب أو للأم ، بينما في طفولته كان كل اعتماده على أسرته ، أبوه يأتي له بالملبس فيلبسه ؛ وبالمطعم فيأكله ، ويوجهه فيتوجه ، لكن حينما توجد له ذاتية خاصة يقول لأبيه: هذا اللون لا يعجبني! والأكل هذا لا يعجبني!! هذه الكلية لن أذهب إليها. ولا توجد للإنسان ذاتية لا إذا وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع أن ينسل مثله ، فإذا ما أصبح كذلك نقول له: هذا هو النضج ، وهو الذي يجعل لك قيمة ذاتية.
إنك إذا زرعت شجيرة بطيخ. فأنت ترعاها سقياً وتنظيماً وتسميداً ، وهي ما زالت صغيرة وتتعهدها كي لا تخرج مشوهة ، حتى تنضج ، وساعة تنضج يكون الشغل الشاغل قد انتقل من الشجيرة إلى الثمرة"البطيخة"فيقال صار لها ذاتية ؛ لأنك إن شققتها لتأكلها تجد"اللب"قد نضج ، وإن زرعته تأتي منه شجيرة أخرى.
ولكن إذا ما قطفت الثمرة قبل النضج فأنت قد تجد"اللب"أبيض لم ينضج بعد ، فلا تصلح تلك البذور لأن تأتي وتثمر مثلها ، وإذا كان"اللب"نصفه أبيض ونصفه أسود ، فهي لم تنضج تماما ، أما إذا وجدت"لبّها"أسمر اللون داكناً فهو صالح للزراعة والإثمار ، وتجد الحلاوة متمشية مع نضج البذرة. فلو كانت الثمار تنضج قبل البذور لتعجل الخلق أكل الثمرة قبل أن تُربى وتنضج البذور ولانْقَطَعَ النوع ؛ لذلك لم يجعل ربنا حلاوة الثمرة إلا بعد أن تنضج البذور ، وكذلك الإنسان ، والحق يقول:
{وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النور: 59] .