وأنه قائم بالقسط على خلقه, وأنه المتفرد بتدبير خلقه لا يشرك فيه غيره, والعالم بتفاصيل الأمور, فلا يخفي عليه خافية من خلقه, والكافي لهم وحده, فلا يحتاج إلى معين, والرحمن بذاته, فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه, وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء, فأنهم يحتاج إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم, إلى من قضاء حوائجهم, وإلى من يسترحمهم وإلى من يستعطفهم بالشفاعة, فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور علمهم, فأما القادر على كل شيء الغني عن كل شئ, الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء , فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده وظن به ظن سوء, وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده, ويمتنع في العقول والفطر وقبحه مستقر في السليمة فوق كل قبيح.
يوضع هذا: أن العابد معظم لمعبوده, متأله له, خاضع ذليل له, ورب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والجلال والتأله والتذلل والخضوع, وهذا خالص حقه, فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره, أو يشرك بينه وبينه فيه, ولا سيما الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه, كما قال تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} الآية أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريك له في رزقه, فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا به متفرد به وهو الإلهية, التي لا تنبغي لغيري, ولا تصح لسواي؟
فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري, ولا عظمني حق عظمتي, ولا أفردني بما أنا منفرد به وحدي دون خلقي فما قدر الله بحق قدره من عبد معه غيري. انتهى انتهى. {الجواب الكافي صـ 146 - 163} . بتصرف يسير.