وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} هَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِالتَّيَمُّمِ كُلَّمَا لَزِمَهُ طَلَبُ الْمَاءِ أَمْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنْهُ بِالتَّيَمُّمِ كُلَّمَا لَزِمَهُ الطَّلَبُ وَهُوَ مُحْدِثٌ حَدَثًا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْهُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ لَوْ كَانَ لِلْمَاءِ وَاجِدًا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِالتَّيَمُّمِ كُلَّمَا لَزِمَهُ فَرْضُ الطَّلَبِ بَعْدَ الطَّلَبِ مُحْدِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْدِثٍ.
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ»
عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: «لَا يُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِالتَّيَمُّمِ بَعْدَ طَلَبِ الْمَاءِ مَنْ لَزِمَهُ فَرْضُ الطَّلَبِ إِذَا كَانَ مُحْدِثًا , فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ أَحْدَثَ بَعْدَ تَطَهُّرِهِ بِالتُّرَابِ فَلَزِمَهُ فَرْضُ الطَّلَبِ , فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ تَيَمُّمِهِ , وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِتَيَمُّمِهِ الْأَوَّلِ.
عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: «يُصَلِّي الْمُتَيَمِّمُ بِتَيَمُّمِهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ , فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَوَضَّأْ»
عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُحَدِثْ , وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ»
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَتَيَمَّمُ الْمُصَلِّي لِكُلِّ صَلَاةٍ لَزِمَهُ طَلَبُ الْمَاءِ لِلتَّطَهُّرِ لَهَا فَرْضًا لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ كُلَّ قَائِمٍ إِلَى الصَّلَاةِ بِالتَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ , فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فَالتَّيَمُّمُ , ثُمَّ أَخْرَجَ الْقَائِمُ إِلَى الصَّلَاةِ مَنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ قِيَامُهُ إِلَيْهَا الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا يَنْقُضُ طَهَارَتَهُ , فَيَسْقُطُ فَرْضُ الْوُضُوءِ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا الْقَائِمُ إِلَيْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ قِيَامُهُ إِلَيْهَا بِالتَّيَمُّمِ لِصَلَاةٍ قَبْلَهَا , فَفَرْضُ التَّيَمُّمِ لَهُ لَازِمٌ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ بَعْدَ طَلَبِهِ الْمَاءَ إِذَا أَعْوَزَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا}