وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ وَجْهُ الْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مِنَ النَّبَاتِ وَالْغُرُوسِ وَالْبِنَاءِ الْمُسْتَوِيَةِ , وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
[البحر البسيط]
كَأَنَّهُ بِالضُّحَى يَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ ... دَبَّابَةٌ فِي عِظَامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ
يَعْنِي: يَضْرِبُ بِهِ وَجْهَ الْأَرْضِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: طَيِّبًا , فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: طَاهِرًا مِنَ الْأَقْذَارِ وَالنَّجَاسَاتِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {طَيِّبًا} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قِرَاءَةً قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} قَالَ:"الطَّيِّبُ: مَا حَوْلَكَ. قُلْتُ: مَكَانٌ جَرْدٌ غَيْرُ أَبْطَحٍ , أَيُجْزِئُ عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ"
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً أَيُّهَا النَّاسُ , وَكُنْتُمْ مَرْضَى , أَوْ عَلَى سَفَرٍ , أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ , أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ , فَأَرَدْتُمْ أَنْ تُصَلُّوا فَتَيَمَّمُوا , يَقُولُ: فَتَعَمَّدُوا وَجْهَ الْأَرْضِ الطَّاهِرَةِ , فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَامْسَحُوا مِنْهُ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ , وَلَكِنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ مِنْهُ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَالْمَسْحُ مِنْهُ بِالْوَجْهِ أَنْ يَضْرِبَ الْمُتَيَمِّمُ بِيَدَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الطَّاهِرِ , أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ , فَيَمْسَحَ بِمَا عَلَقَ مِنَ الْغُبَارِ وَجْهَهُ , فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَقَ بِهِ الْغُبَارُ كَثِيرًا , فَنَفَخَ عَنْ يَدَيْهِ أَوْ نَفَضَهُ , فَهُوَ جَائِزٌ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَقْ بِيَدَيْهِ مِنَ الْغُبَارِ شَيْءٌ , وَقَدْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ أَوْ إِحْدَاهُمَا الصَّعِيدَ , ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا أَوْ بِهَا وَجْهَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ , لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لَوْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الصَّعِيدَ وَهُوَ أَرْضُ رَمْلٍ فَلَمْ يَعْلَقْ بِيَدَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ فَتَيَمَّمَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئُهُ , لَمْ يُخَالِفْ ذَلِكَ مَنْ يُجَوِّزُ أَنْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ.