قال: لو عرفت محمداً بربي ما احتجت إلى رسول ، إذن فلا يصلح أيضاً أن يقال لأحد"عرفت ربك بمحمد"؛ لذلك قال علي كرم الله وجهه: ولكني عرفت ربي بربي ، وجاء فبلغني مراد ربي مني.
إذن فقوله: {الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ} ماذا فعلوا ؟ باعوا هدى الفطرة واشتروا الضلالة. وهنا يقول الحق: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ} .
ولم يأت بـ"هدى"هنا ، وهذا يدل على أن الفطرة انطمست عندهم انطماسا بحيث لم يقدموا ثمناً للضلالة من الهدى.
{وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ} والإرادة هي: أن يرجح الشخص المختارُ حكماً على حكم ، ومثال ذلك: أنت أمامك جوربان مثلا ، فلك أن تختار واحداً منهما ، لكن لو كان أمامك جورب واحد فإرادتك لا ترجح. إن الإرادة ترجح اختيارا على اختيار ، وما معنى"تضلوا"؟ الضلال يطلق بإطلاقات متعددة ، فحواها كلها أن هناك أمراً من الحق ليس على بالك ، فهل يحدث ذلك لأنك نسيته أو عرفته وتعمدت أن تتركه ؟. فالذي نسي هذا الأمر معذور. لكنْ هناك إنسان آخر يعرف هذا الأمر لكنه تعمد أن يتركه ، إذن فالضلال يطلق مرة على النسيان كما في قول الحق:
{أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282] .
فالضلال هنا نسيان لكن هناك من يضل لأنه يفتقد المنهج الحق ويتشوف ويتطلع إليه ليتبعه ، كما في قوله:
{وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7] .