أي أنهم دفعوا الهدى ثمناً وأخذوا الضلالة سلعة ، وعادة ما ندفعه يضيع من يدنا ، وما نشتريه نأخذه لنا. فحين تشتري سلعة بجنيه. فالجنيه يضيع ، بعد أن كان معك أولاً ، فحين يقول: {اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} فهل كان معهم هدى وقدموه وأخذوا الضلالة ؟! نعم ، كان معهم هدى الفطرة. فكل واحد عنده هدى الفطرة.
إياك أن تظن أن العقل الواعي ينتظر رسولاً ليدله على الله ، إنما هو ينتظر رسولا ليبلغه مرادات الله منه ، ذلك أن الإيمان بالله أمر من أمور الفطرة ، فالإنسان عندما يتفتح وعيه يجد أشياء في الكون تخدمه ، خدمة مستقيمة رتيبة ، ولا تتخلف عن خدمته أبداً ، هناك شمس تطلع كل يوم ، وهواء يمر ، أرض عندما تزرعها تعطيك خيراً كثيرا. ألك قدرة على شيء من هذا ؟ هل ادعي إنسان مثلك أن له قدرة عليه ؟ كل هذه الكائنات أنت تطرأ عليها ، ولم تأت بها.
وعندما يولد الإنسان ويرى كل هذه النعم موجودة. ألا يؤمن بأنها من عطاء خالق ؟ الإنسان فوجيء عندما ولد بوجود النعم. وأيضاً آدم عندما خلق فوجيء بالنعم موجودة ، إذن فهو طرأ عليها ، بالله ما دام هو قد طرأ عليها ألا يفكر من الذي أقام هذه النعم له ؟ كان لا بد أن يفكر من الذي صنع له كل هذه النعم ، وضربنا من قبل مثلاً بمن انقطعت به الوسائل وهو في الصحراء ولم يجد ماءً ولم يجد طعاماً ، ثم يئس فنام ، ثم استيقظ فوجد مائدة عليها أطايب الطعام ، بالله قبلما يأكل ألا ينظر ويفكر ويقول في نفسه: من الذي أعدّ وأقام تلك المائدة ؟ أنت - إذن - وارد على الكون بخيره كله ، ولا أحد قال لك: أنا الذي فعلته ، لا أبوك ولا جدك ولا جد جدك قال هذا ، فلا بد أن تنتبه إلى أن له خالقاً.
إذن فالذين اشتروا الضلالة بالهدى ، أكان معهم هدى فقدموه وأخذوا الضلالة ؟! نعم كان معهم هدى الفطرة ، ولذلك حين سئل الإمام علي - كرّم الله وجهه -: أعرفت ربك بمحمد أم عرفت محمداً بربك ؟