ومن الثابت اليقيني أن بيوت النبي صلى الله عليه وسلم كانت في جانب من ساحة المسجد. وليس لأهلها طريق إلّا المسجد وليس لمن يقصدها طريق إلّا المسجد. ولقد كان المسجد في الوقت نفسه مكان جلوس النبي صلى الله عليه وسلم للناس والوفود الذين يقصدونه لغير الصلاة وفي غير أوقات الصلاة. فكانت الرخصة لعبورهم المسجد في حالة الجنابة بما تقتضيه ظروف السيرة النبوية فكان ذلك من حكمة تنزيلها ويمكن أن يكون هذا محل قياس في الحالات المشابهة لطبيعة الحال. والله تعالى أعلم.
ومن الأمور الممارسة في معظم المساجد منذ زمن قديم وجود غرف ومخادع فيها للأئمة والخطباء والمدرسين والسدنة. ودخولها والخروج منها من أرض المسجد. وقد ينامون ويحتلمون فيها. بل كثيرا ما يحدث أن ينام بعضهم في صحن المسجد في فترات الصلوات وقد يحتلمون. وحكمة الرخصة القرآنية والحالة هذه مستمرة.
سادسا: قد يلحظ أن الوضوء لم يذكر هنا. ولم يذكر فيما سبق من القرآن وإنما ذكر في آية في سورة المائدة المتأخرة في النزول. مع أن المتواتر المؤيد
بالأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا يتوضؤون للصلاة منذ بدء الإسلام في مكة. وفي الآية نواقض للوضوء وإيجاب التيمم في حالة حدوثها وهي التبرز والتبول اللذان عبر عنهما بجملة أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ وهذا يعني أن الوضوء للصلاة كان أمرا جاريا ممارسا فاقتضت الحكمة ذكر بديله إذا تعذر الماء أو تعذر استعماله. أما الأمر به في سورة المائدة فهو على ما يتبادر للتذكر والتوكيد على ما سوف نشرحه في مناسبتها.
سابعا: في جملة ما جعلته الآية سببا للتيمم إذا فقد الماء لامَسْتُمُ النِّساءَ.
وقد اختلفت أقوال المؤولين في مدى الجملة. فمنهم من أوّلها بمعنى مسّ الرجل لبشرة المرأة أو تقبيلها وعلى مذهب هؤلاء فإن هذا العمل يكون ناقضا للوضوء أيضا بنص قرآني. ومن هؤلاء من قال النقض بالمسّ أو القبلة بشهوة. ومنهم من قيّد بالمرأة الأجنبية دون المحارم. وقد أوّلها آخرون بمعنى الجماع. وليس هناك فيما اطلعنا عليه حديث نبويّ صحيح في ذلك.