وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ والمعنى: وأي ضرر يلحقهم لو آمنوا حقيقة بالله، وعملوا لليوم الآخر الذي فيه الجزاء المحقق للخلود والسعادة، وأنفقوا مما رزقهم الله ابتغاء رضوانه وامتثالا لأمره.
وهذا الأسلوب للتعجب من حالهم إذ أنهم لو أخلصوا العمل وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص، والإيمان بالله رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله، وأنفقوا فيما يحبه الله ويرضاه، لما فاتهم ما يطلبون من منافع الدنيا والآخرة معا.
وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً أي هو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وخبير بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه للخير، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم، فيتخلى عنه، وسيجازي كل امرئ بما قدم وعمل، ولن ينسى عمل العاملين المخلصين، وما على المؤمن إلا أن يجعل عمله خالصا لله، فهو الذي يراه ويتقبل منه، ويحاسبه على عمله.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات دستور التعامل بين الناس وربهم، وبين بعضهم بعضا. وهي من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وهي مقررة في جميع الكتب
السماوية، ولو لم يكن كذلك لعرف حكمها من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب.
وهي مفتتحة بأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص في عبادته، وهي أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره، قال الله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف 18/ 110] .
وتنهى الآية عن ضد التوحيد وهو الشرك، وهو كما قال العلماء مراتب ثلاثة وكلها محرمة منكرة.
الأولى- اعتقاد شريك لله في ألوهيته، وهو الشرك الأعظم شرك الجاهلية، وهو المراد بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء 4/ 48] .
الثانية- اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل: وهو القول بأن موجودا غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلها، كالقدرية مجوس هذه الأمة. وقد تبرأ منهم ابن عمر.