أتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ ... وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا
وقال آخر:
كِرامٌ إذا ما جئتَهم عن جنابةٍ ... أعفّاءُ عن جار الخليطِ المجاور
ورجل جُنُب، إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله. وقوم أجناب، ورجل أجنَب وأجنبي، وهو البعيد منك في القرابة. وأصل الجنب التنحية والإبعاد، ومنه قوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] . والجانبان الناحيتان لتنحّي كل واحدة عن الأخرى.
وروى المفضَّل عن عَاصم: {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} بفتح الجيم وسكون النون، وهو يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يريد بالجنب الناحية، ويكون المعنى على هذا: ذي الجَنْب، فحذف المضاف؛ لأن المعنى مفهوم، ألا ترى أن الناحية لا يكون الجار إياها، والمعنى: ذي ناحية ليس هو الآن بها، أي: هو غريب.
والآخر: أن يكون وصفًا، مثل: ضرب وندب وفسل، فهذا وصف جري على الموصوف، كما أن الجنب كذلك.
قال ابن عباس وعامتهم: الجار الجنب هو الذي ليس بينك وبينه قرابة. وله حق الجوار، فإن كان من أهل دينك فله حق الإيمان.
ومعنى وصفه بالبُعد ههنا أنه ليس من قومك، ونَسبُه بعيد عنك، ألا ترى أن مجاهدًا وقتادة قالا: هو جارك من قوم آخرين.
ويحتمل أن يُراد بهذا البُعد بُعد الدار، وهو الغريب من بلد غير بلدك يجاورك، فهو متباعد عن أهله وبلده.
وإلى هذا ذهب الزجاج، فإنه قال: هو الجار الغريب المتباعد.
وحكى ابن جرير عن نَوفٍ البِكَالي أنه ذهب إلى أن المراد بهذا البُعد بُعد الدين، فقال في الجمار الجنب: إنه الكافر. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المشرك الجار:"له حق الجِوَار وإن كان مشركًا".
وقوله تعالى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} . قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والحسن والسدي والضحاك: هو الرفيق في السفر.
قال عطاء عن ابن عباس: يريد صاحبك في السفر، وهو جارك إلى جانبك، فله حق الجوار وحق الصحبة.