قيل لثمامة: أي الناس أبخل؟ فقال: لم أر الديكة في بلد إلا وتأخذ بمناقيرها ما تلتقطه فتلقيه قدّام الدجاج إلا ديكة مرو، فإنها تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحبوب، فعلمت أن البخل في طباعهم.
وقال بعضهم: من لم يأت الخير صغيرا لم يأته كبيرا، أما سمعت قول الشاعر:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وقال ابن العميد:
البخل مستحسن في شيمة الخوز
ذمّ من لا يعطي إلّا على الخسف
قال أبو نعامة: جلّ الناس لا ترشح أناملهم إلا بعسف وعنف. هذا محمد بن علي بن عصمة صرت إليه أطوارا أقتضيه، فكان يعد ويماطل، فأتيته يوما فقلت: أتسمع بيتا حضر، قال: هات، فقلت:
محمد بن علي بن عصمة بن عاصم
فقال: هذه نسبتنا، فقلت:
جليل فضل كريم ... من أهل بيت كرام
فقال أحسنت، فقلت: أتسمع بيتا أم تنجز الوعد؟ فقال: غدا، فقلت: فاسمع.
لكنّه مستهام بأخذ أير الغلام
فقال: آه آه ويلك يا غلام أعطه وأرحنا منه.
قال بعضهم:
العبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع الظهر لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا
وقال آخر:
رأيتك مثل الجوز يمنع خيره ... صحيحا ويعطي نفعه حين يكسر
وقال شاعر:
صاحب لي ليس فيه ... خصلة أشكرها له
سمجا شخصا ومخبو ... را وتفصيلا وجمله
ومريدا من جفاه ... ومهينا من أدلّه
فهو كالدينا ... ر لا يكرم إلّا من أذلّه
بخيل أعطى عطيّة لطمع
قيل لأعرابي: أعطاك فلان، فقال: نعم أعطاني طلب الثواب وصانع المعروف لعاجل الجزاء، كملقي الحب للطير ليصيده به لا لينفعه. ومن هنا أخذ المتنبي تعريضا بكافور.
ومن قد ظنّ نثر الحبّ جودا ... وينصب تحت ما نثر الشّباكا
المصطنع إلى الأراذل دون الأفاضل
قال ابن الرومي:
تنبّه للأنذال يرفع أمرهم ... وأصبح عن أهل المروءة ساهيا
وقال آخر:
صنائعه لدى الأنذا ... ل تنبي أنّه سفله
وقال آخر:
وابن اللئيمة للئام وهوب
بخيل متشبّه بالأسخياء
كان لبعض الموسرين أخ لا يواسيه، فقيل له: لو واسيت أخاك كان أشبه بك من هذا البخل الذي استشعرته، فقال: والله ما أنا ببخيل. لو ملكت ألف ألف لوهبت له الساعة خمسمائة درهم، ثم التفت إلى القوم، فقال: يا قوم رجل يهب لأخيه في مجلس واحد
خمسمائة درهم يقال له بخيل. قالوا: والله أنت أجود من يمشي على قدم.
قال جحظة:
وممخرق يصف السما ... ح ونفسه نفس بخيله
وقيل للماجشون كيف رأيت أهل العراق؟ فقال: