أيّ عذر يكون أوضح في إبطاء ... نصر من قلّة الإمكان
وقيل للجاحظ: لم خذلت ابن الزيات وهربت منه لمّا أصابته المحنة؟ فقال:
خفت أن يقال ثاني اثنين إذا هما في النار وذلك أنّ ابن الزيات عوقب في تنور من حديد حتى مات. وفي الأخوانيات وذكر الأقارب أبواب تليق بهذا الفصل.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) }
(ذمّ التكبر والنهي عنه)
قال الله تعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ)
وقال تعالى: (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)
وقال: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم:
إن الله يقول الكبر إزاري والعظمة ردائي، من نازعني واحدا منهما ألقيته في النار، وأخذ أبو نواس هذا المعنى فقال:
حذّرتك التيه لا يعلقك ميسمه ... فإنّه ملبس نازعته الله
وقال بزرجمهر: وجدنا التواضع مع الجهل والبخل، أحمد عند العقلاء من الكبر مع الأدب والسخاء. فانبل بحسنة غطّت سيئتين، وأقبح بسيئة غطت على حسنتين. كم من صلف أدى إلى تلف، العجب لابن آدم لم يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرتين. أخذ ابن الرومي ذلك فقال:
كيف يزهو من رجيعه ... أبا الدهر ضجيعه
قال: منصور الفقيه، يا قريب العهد بالمخرج لم لا تتواضع، ويروى عن النبي صلّى الله عليه وسلم لا يبغى على الناس إلّا ولد بغى أو من فيه عرق سوء.
وقيل: ما تاه إلّا وضيع ولا فاخر إلا سقيط ولا تعظم إلا لقيط وقيل: دع الكبر فمتى كنت من أهل النبل لم يضرك التبذّل ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التبتل.
ذكر السبب الداعي إلى التكبّر
قال المأمون: ما تكبّر أحد إلّا لنقص وجده في نفسه ولا تطاول إلّا لوهن أحسنّ من نفسه قال أحمد بن أسماعيل:
رأيت الرياسة مقرونة ... بلبس التكبّر والنخوه
ذمّ متكبّر لولاية نالها
قيل: من نال منزلة فابطرته دل على رداءة أصله وعنصره.
قال أحمد بن أبي طاهر:
وتاه سعيد أن أفيد ولاية ... وقلّد أمرا لم يكن من رجاله
وأدبر عنّي عند إقبال حظّه ... وغيّر حالي عنده حسن حاله
وضاق علي حقّي بعقب اتساعه ... فأوسعنه عذرا لضيق احتماله
وقال سفيان رحمه الله: السفل إذا تمولوا استطالوا وإذا افتقروا تواضعوا والكرام إذا تموّلوا تواضعوا وإذا افتقروا استطالوا.
قال صالح بن عبد القدوس:
تاه على إخوانه كلّهم ... فصار لا يطرف من كبره
أعاده الله إلى حاله ... فإنّه يحسن في فقره