تعرف طبائعهم فلا يخفى عليها معدن نفيس، ولا يخدعها طلاء مزور! ولعل اشتغالها بالتجارة كون لديها هذه الملكة فالتجار من أعرف الناس بطوايا النفوس! وفى ميدان عملها التجارى عرفت خديجة محمدا - عليه الصلاة والسلام - وخطبته لنفسها، ولم يكن محمد مجهولا لدى جمهور العرب، كانت خلائقه الزاكية موضع إجماع وحب، وكثيرا ما تكون زكاة الباطن كصباحة الوجه أساسا لتقدير عام أو عنوانا لا يختلف فيه اثنان .. لكن خديجة بعد زواجها ازدادت خبرة برجلها وأدركت أى أفق من الكمال قد بلغه! فلما أخبرها بما عرض له في غار حراء قاست المستقبل على الماضى، وأقسمت أن مثله لا يضيع، وأنه يستحيل أن يخذل الله رجلا قد أفاء عليه خلال النبل والشرف كلها، قالت:"والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصدق الحديث وتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق وتؤدى الأمانة". إن الله لا يخزى في الدنيا ولا في الأخرى صاحب هذه السيرة! ذاك إنسان محصن من عدوان الشيطان (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا .. ) وخديجة من سروات قريش، أى من قمة المجتمع العربى، وهى أول من آمن من النساء، لكن الإسلام دين عام ينتظم البشر أكابرهم وأصاغرهم، فإذا كانت أفئدة بعض الأغنياء تهوى إليه، فإن جماهير من الفقراء تدخل فيه وتستبشر به، السادة والعبيد جميعا لهم مكان واحد فيه، كأبو بكر المرموق يعتنقه، وبلال المملوك يعتنقه، ثم يجئ عمر العظيم فيقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا!! لا طبقات في هذا الدين، ولكن أخوة عامة، وإذا كانت خديجة أول من آمن، وهى من البيوتات الرفيعة، فإن أول من استشهد"سمية"أم عمار وهى من البيوتات المستضعفة التى لا يؤبه لها. واختبار الله لعباده فنون، إنه يختبر بالشهرة والخمول وبالثروة والعدم وبالصحة والسقام، والمهم هو الآخرة، عن عثمان بن عفان - وهو من قمة قريش - قال بينما أنا أمشى مع رسول الله بالبطحاء إذ بعمار وأبيه
وأمه يعذبون في الشمس ليرتدوا عن الإسلام! قال أبو عمار: يا رسول الله، الدهر هكذا؟