وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: فَإِنْ تَابَا مِنَ الْفَاحِشَةِ الَّتِي أَتَيَا، فَرَاجَعَا طَاعَةَ اللَّهِ بَيْنَهُمَا وَأَصْلَحَا، يَقُولُ: وَأَصْلَحَا دِينَهُمَا بِمُرَاجَعَةِ التَّوْبَةِ مِنْ فَاحِشَتِهِمَا وَالْعَمَلِ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا، يَقُولُ: فَاصْفَحُوا عَنْهُمَا، وَكُفُّوا عَنْهُمَا الْأَذَى الَّذِي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُؤْذُوهُمَا بِهِ عُقُوبَةً لَهُمَا عَلَى مَا أَتَيَا مِنَ الْفَاحِشَةِ، وَلَا تُؤْذُوهُمَا بَعْدَ تَوْبَتِهِمَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ رَاجِعًا لِعَبِيدِهِ إِلَى مَا يُحِبُّونَ إِذَا هُمْ رَاجَعُوا مَا يُحِبُّ مِنْهُمْ مِنْ طَاعَتِهِ رَحِيمًا بِهِمْ، يَعْنِي: ذَا رَحْمَةٍ وَرَأْفَةٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} مَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، إِلَّا لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةٍ.
{ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ}
يَقُولُ: مَا اللَّهُ بِرَاجِعٍ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى مَا يُحِبُّهُ مِنَ الْعَفْوِ عَنْهُ وَالصَّفْحِ عَنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ، إِلَّا لِلَّذِينَ يَأْتُونَ مَا يَأْتُونَهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ جَهَالَةً مِنْهُمْ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ يُرَاجِعُونَ طَاعَةَ اللَّهُ وَيَتُوبُونَ مِنْهُ إِلَى مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّدَمِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتَرْكِ الْعَوْدِ إِلَى مِثْلَهُ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْمَوْتِ بِهِمْ، وَذَلِكَ هُوَ الْقَرِيبُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَقَالَ: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، قَالَ: أَهْلُ التَّأْوِيلِ غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {بِجَهَالَةٍ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِيهِ، وَذَهَبَ إِلَى أَنَّ عَمَلَهُ السُّوءَ هُوَ الْجَهَالَةُ الَّتِي عَنَاهَا.