والعدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة. أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس، فلا يطالب به أحد من بني الإنسان، لأنه خارج عن إرادة الإنسان .. وهو العدل الذي قال الله عنه في الآية الأخرى في هذه السورة: «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ - وَلَوْ حَرَصْتُمْ - فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ، فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ» .. هذه الآية التي يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلاً على تحريم التعدد. والأمر ليس كذلك. وشريعة الله ليست هازلة، حتى تشرع الأمر في آية، وتحرمه في آية، بهذه الصورة التي تعطي باليمين وتسلب بالشمال! فالعدل المطلوب في الآية الأولى والذي يتعين عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة، وسائر الأوضاع الظاهرة، بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شيء منها وبحيث لا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء منها .. على نحو ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أرفع إنسان عرفته البشرية، يقوم به. في الوقت الذي لم يكن أحد يجهل من حوله ولا من نسائه، أنه يحب عائشة - رضي الله عنها - ويؤثرها بعاطفة قلبية خاصة، لا تشاركها فيها غيرها .. فالقلوب ليست ملكاً لأصحابها. إنما هي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .. وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يعرف دينه ويعرف قلبه. فكان يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» ..
ونعود فنكرر قبل أن نتجاوز هذه النقطة، أن الإسلام لم ينشئ التعدد إنما حدده. ولم يأمر بالتعدد إنما رخص فيه وقيده. وأنه رخص فيه لمواجهة واقعيات الحياة البشرية، وضرورات الفطرة الإنسانية. هذه الضرورات وتلك الواقعيات التي ذكرنا بعض ما تكشف لنا حتى الآن منها. وقد يكون وراءها غيرها تظهره أطوار الحياة في أجيال أخرى، وفي ظروف أخرى كذلك. كما يقع في كل تشريع أو توجيه جاء به هذا المنهج الرباني، وقصر البشر في فترة من فترات التاريخ، عن استيعاب كل ما وراءه من حكمة ومصلحة.
فالحكمة والمصلحة مفترضتان وواقعتان في كل تشريع إلهي، سواء أدركهما البشر أم لم يدركوهما، في فترة من فترات التاريخ الإنساني القصير، عن طريق الإدراك البشري المحدود! ثم ننتقل إلى الإجراء الثاني الذي تنص عليه الآية عند الخوف من عدم تحقق العدل:
«فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً، أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» ..