فكل المعاني القرآنية تنبثق عن معان أجملت فيها، وسورة آل عمران تفصل في الأصل الذي تتفرع عنه الأشياء. فإذا كانت مقدمة سورة البقرة فصلت في التقوى والكفر والنفاق، فإن سورة آل عمران فصلت في مقدمة سورة البقرة. ومعرفة قضية الكفر والنفاق والتقوى هي التي عنها تتفرع كل الأمور الأخرى. ومقدمة الشيء تشير إلى مضمونه، ومن ثم فإن المعاني التي جاءت في سورة البقرة كلها مرتبطة بالمقدمة بشكل ما، فمثلا جاءت آيات الإنفاق في أواخر السورة وهي تفصيل لقوله تعالى في المقدمة: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وجاء قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ
مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ في خاتمة السورة، وهي تفصيل لقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ في المقدمة. وجاء حوار طويل مع أهل الكتاب، وذلك مرتبط بقوله تعالى في مقدمة البقرة. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. ولقد جاءت سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معانيها الأكثر لصوقا بمضمونها المباشر. فكان محلها بالنسبة لسورة البقرة أنها وإياها الزهراوان المضيئتان للإنسان الطريق، فمن لم يعرف سورة البقرة وآل عمران فإنه يفوته علم كثير، وفهم غزير.
-لقد اقتضى السياق الخاص لسورة البقرة أن يكون ترتيب معانيها على ما هو عليه، ولكن المقدمة تحتاج معانيها إلى بيان، وتفصيل خاص، ومن ثم جاءت سورة آل عمران لتشد المعاني المبثوثة في سورة البقرة، مما يحتاجه تفصيل مقدمتها إلى معاني المقدمة وتكون سورة آل عمران هي التفصيل والعرض لذلك كله.
-اقتضت حكمة الله أن يجعل الكلام عن حياة الله وقيوميته بين آيات الإنفاق في سورة البقرة. وجاء الكلام عن الاهتداء بالقرآن لحكمة في مقدمة سورة البقرة.
وجاءت سورة آل عمران لتبين أن مقتضى اتصاف الله - عزّ وجل - بالقيومية، أن ينزل الكتاب. وهكذا فصلت المعاني المرتبطة بمقدمة سورة البقرة، وربطت ببعضها، وأعطيت مداها في سورة آل عمران ضمن سياق خاص فمثلا: