ونلاحظ بشكل عام أن القسم الخامس بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. وانتهى بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بدأ
بتبيان ما فيه الخسارة، وانتهى بتبيان ما فيه الفلاح، ودلنا فيما بين ذلك على ما يوضح قضية الخسران، وعلى ما به يتوصل إلى الفلاح. وقضية الفلاح والخسارة، واضحتان في مقدمة سورة البقرة، فالصلة بين القسم ومقدمة سورة البقرة واضحة.
مما حدث يوم أحد أن تكشفت نقاط الضعف عند المؤمنين، وخفايا ما في قلوب المنافقين، سواء في ذلك ما حدث قبل المعركة أو بعدها، ومن خلال الواقع هذا المحس حرر الله - عزّ وجل - المسلمين من أخلاق الكافرين والمنافقين، ورفعهم إلى ما ينبغي لهم من كمالات إيمانية، مذكرا لهم بالنعم، مذكرا لهم بالرعاية، مذكرا لهم بسننه، كاشفا لهم عن خفايا قلوب الكافرين والمنافقين، من خلال ما يلمسونه، منبها لهم على ما سيواجهونه، معلما إياهم كيف يتعاملون مع آياته، وما يفعلون للوصول إلى جناته، محتقرين ما عليه الكافرون، عارفين لأهل الفضل فضلهم، وكل ذلك في سياق النهي عن طاعة الكافرين، ووجوب الصبر، والمصابرة، والمرابطة، والتقوى، أي: في بداية المقطع وخاتمته. وصلة ذلك كله بمحور سورة آل عمران من البقرة لا تخفى، فمقدمة سورة البقرة وصفت المتقين والكافرين والمنافقين، وهاهنا يأتي مزيد تفصيل وبيان من خلال الواقع والحدث، تعمق قضية المفاصلة بين المسلمين والكافرين والمنافقين، وتميز الصف الإسلامي.
كلمة أخيرة في سورة آل عمران:
مر معنا الحديث «اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أهلهما يوم القيامة» . وعرفنا عن سورة البقرة، وسنعرف عنها ما ندرك به مصداق قوله عليه الصلاة والسلام فيها «إن كادت لتستحصي الدين كله» .